تزخر لغتنا العربية بالأساليب البلاغية والنحوية التي تمنح المتحدث القدرة على التعبير عن المشاعر بدقة متناهية، ومن أبرز هذه الأساليب التي تُضفي جمالاً وقوة على الكلام هو أسلوب التعجب. إننا نلجأ إلى هذا الأسلوب عندما نشعر بالدهشة أو استعظام صفة معينة في شيء ما، سواء كان ذلك لجمالها أو لقبحها.
![]() |
| شرح أسلوب التعجب في النحو - الصيغ القياسية والإعراب |
في هذا الدليل الشامل، سنغوص في أعماق هذا الأسلوب النحوي، مستعرضين صيغه القياسية، وشروط صياغته، وكيفية إعرابه بشكل مفصل ودقيق، ليكون مرجعاً موثوقاً لكل دارس للغة الضاد.
ما هو أسلوب التعجب؟
يُعرّف أسلوب التعجب بأنه أسلوب يستعمل للتعبير عن الدهشة أو استعظام صفة بارزة في شيء ما. فمثلاً، عندما نرى وفاءً عظيماً ونريد أن نعبر عن انبهارنا بهذا الخلق، نقول: (ما أعظمَ الوفاءَ). هذا التعبير لا يكتفي بتقرير حقيقة الوفاء، بل ينقل شعور المتكلم تجاه عظمة هذه الصفة.
صيغ التعجب القياسية
لأسلوب التعجب في اللغة العربية صيغتان قياسيتان أساسيتان يعتمد عليهما النحاة في بناء جمل التعجب، وهما:
1. الصيغة الأولى: (ما أفعَلَهُ)
هذه الصيغة هي الأكثر شيوعاً واستخداماً، وتتكون من "ما" التعجبية، يليها فعل التعجب على وزن "أفعل"، ثم المتعجب منه. ومثال ذلك من النصوص النحوية المعتمدة: (ما أجملَ الصدقَ).
2. الصيغة الثانية: (أفعِلْ بـِهِ)
وهي صيغة قياسية أخرى تأتي على صورة الأمر شكلاً، ولكنها تحمل معنى التعجب والخبر. ومثال ذلك: (أجملْ بالصدقِ). هنا نلاحظ أن المعنى واحد في الجملتين، وهو استعظام صفة الصدق، ولكن البنية التركيبة اختلفت.
كيفية إعراب أسلوب التعجب (أضواء على الإعراب)
يُعد الإعراب الركن الأساسي لفهم موقع الكلمات ووظيفتها في الجملة. وفيما يلي تفصيل دقيق لإعراب صيغتي التعجب كما ورد في القواعد النحوية:
إعراب الصيغة الأولى: (ما أجملَ الصدقَ)
- ما: اسم نكرة بمعنى "شيء"، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. وهي التي تسمى "ما التعجبية".
- أجملَ: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره "هو" يعود على "ما".
- الصدقَ: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. وهو "المتعجب منه".
- ملاحظة هامة: الجملة الفعلية من الفعل (أجمل) والفاعل المستتر والمفعول به (الصدق) في محل رفع خبر للمبتدأ (ما).
إعراب الصيغة الثانية: (أجملْ بالصدقِ)
- أجملْ: فعل ماضٍ جاء على صورة الأمر لغرض التعجب، مبني على السكون (أو الفتح المقدر منع من ظهوره السكون العارض لصيغة الأمر).
- الباء: حرف جر زائد، لا يفيد الظرفية أو السببية هنا وإنما جاء للتوكيد والربط في الصيغة.
- الصدقِ: فاعل مجرور لفظاً (بسبب حرف الجر الزائد) ومرفوع محلاً.
شروط الفعل الذي يُصاغ منه التعجب مباشرة
لا يمكننا أن نصوغ أسلوب التعجب من أي فعل في اللغة العربية مباشرة، بل وضع علماء النحو سبعة شروط صارمة يجب أن تتوفر في الفعل لكي نستخدمه على وزن (أفعل) أو (أفعل بـ) مباشرة. هذه الشروط هي:
- أن يكون الفعل ثلاثياً: أي يتكون من ثلاثة أحرف أصلية. فلا يصاغ مباشرة من الرباعي أو الخماسي (مثل: دحرج، انطلق).
- أن يكون تاماً: أي ليس من الأفعال الناقصة (مثل: كان وأخواتها).
- أن يكون مثبتاً: أي غير مسبوق بأداة نفي، فلا يصاغ من الفعل المنفي (مثل: ما عرف).
- أن يكون مبنياً للمعلوم: فلا يصاغ مباشرة من الفعل المبني للمجهول (مثل: عُرف، يُقال).
- أن يكون متصرفاً: أي يأتي منه الماضي والمضارع والأمر، فلا يصاغ من الأفعال الجامدة (مثل: نعم، بئس، ليس، عسى).
- أن يكون قابلاً للتفاوت: أي أن الصفة التي يدل عليها الفعل تقبل الزيادة والنقصان. فالفعل (مات) أو (فني) لا تفاوت فيهما، فلا يقال "ما أموت فلان" لأنه لا توجد درجات في الموت.
- ألا يكون الوصف منه على وزن (أفعل) الذي مؤنثه (فعلاء): وهذا الشرط يختص غالباً بالألوان والعيوب، مثل (حمر - أحمر - حمراء) أو (عرج - أعرج - عرجاء). فلا نقول "ما أحمر الورد" مباشرة.
كيفية التعجب مما فقد الشروط؟
إذا فقد الفعل أحد الشروط السابقة، هل نمتنع عن التعجب منه؟ الإجابة هي لا، ولكننا نلجأ إلى طرق غير مباشرة (بواسطة) للوصول إلى المعنى المطلوب. وتختلف الطريقة بحسب الشرط المفقود:
أولاً: إذا كان الفعل غير ثلاثي، أو الوصف منه على وزن أفعل فعلاء
في هذه الحالة (مثل الفعل: ازدحم "خماسي"، أو زرق "لون")، نتبع الخطوات التالية:
- نأتي بفعل مساعد مستوفٍ للشروط، ونصوغه في صيغة التعجب (مثل: ما أشد، ما أكثر، ما أعظم).
- نأتي بالمصدر الصريح أو المصدر المؤول من الفعل الأصلي (المخالف للشروط) ونضعه بعد الفعل المساعد.
أمثلة توضيحية:
- للتعبير عن شدة ازدحام القطار (الفعل: ازدحم - غير ثلاثي): نقول (ما أشدَّ ازدحامَ القطارِ). هنا استخدمنا "ما أشد" كفعل مساعد، ثم أتينا بالمصدر الصريح "ازدحام".
- أو نقول: (ما أشدَّ بأن يزدحمَ القطارُ) باستخدام المصدر المؤول.
- للتعبير عن زرقة السماء (دال على لون): نقول (ما أجملَ زرقةَ السماءِ).
الإعراب في هذه الحالة: يعرب المصدر الصريح (ازدحام، زرقة) مفعولاً به منصوباً للفعل المساعد، أو يعرب المصدر المؤول في محل نصب مفعول به.
ثانياً: إذا كان الفعل منفياً أو مبنياً للمجهول
في هذه الحالة، لا يمكن استخدام المصدر الصريح، بل يجب استخدام المصدر المؤول فقط (أن + الفعل المضارع) مسبوقاً بفعل مساعد مناسب.
أمثلة توضيحية:
- للفعل المنفي (لا يترك): نقول (ما أجملَ ألا يُترَكَ المذنبُ). لاحظ دمج "أن" مع "لا" لتصبح "ألا".
- للفعل المبني للمجهول (يُثاب): نقول (ما أجملَ أن يُثابَ المتقون).
ملاحظات هامة حول الأفعال الجامدة وغير القابلة للتفاوت
من الأهمية بمكان التنبيه على أن هناك نوعين من الأفعال لا يمكن التعجب منهما مطلقاً، لا بطريقة مباشرة ولا بطريقة غير مباشرة، وهما:
- الأفعال الجامدة: وهي الأفعال التي تلزم صورة واحدة ولا تتصرف، مثل: (نعم، بئس، ليس، عسى). هذه الأفعال لا يصاغ منها التعجب نهائياً.
- الأفعال غير القابلة للتفاوت: وهي الأفعال التي تدل على حقائق ثابتة لا زيادة فيها ولا نقصان، مثل: (مات، فني، هلك). فلا يصح أن نقول "ما أموت فلاناً" لأن الموت واحد لا درجات فيه.
نموذج تطبيقي للإعراب
لنأخذ مثالاً مركباً يوضح كيفية إعراب الأسلوب غير المباشر:
الجملة: (ما أشدَّ خضرةَ الزرعِ)
- ما: نكرة تعجبية في محل رفع مبتدأ.
- أشدَّ: فعل ماضٍ جامد لإنشاء التعجب، مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره هو.
- خضرةَ: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة (وهو المصدر الصريح من الفعل "خضر" الذي لا يتعجب منه مباشرة لأنه دال على لون).
- الزرعِ: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة.
- الجملة الفعلية (أشد خضرة): في محل رفع خبر المبتدأ "ما".
تدريبات عملية لفهم الأسلوب
لفهم أعمق، لننظر كيف نتعامل مع الجمل التالية لتحويلها لأسلوب تعجب:
- الجملة: (ارتفع البناء). الفعل "ارتفع" خماسي (غير ثلاثي).
التعجب: نأتي بفعل مساعد مثل "أعظم"، ثم المصدر "ارتفاع". فتصبح: (ما أعظمَ ارتفاعَ البناءِ) أو (أعظمْ بارتفاعِ البناءِ). - الجملة: (يُحترمُ المعلمُ). الفعل "يحترم" مبني للمجهول.
التعجب: نأتي بفعل مساعد + مصدر مؤول. فتصبح: (ما أجملَ أن يُحترمَ المعلمُ).
الخاتمة
إن أسلوب التعجب ليس مجرد قاعدة نحوية صماء، بل هو أداة تعبيرية حية تعكس تفاعل الإنسان مع ما حوله. من خلال الصيغتين القياسيتين (ما أفعله) و(أفعل به)، ومن خلال الشروط السبعة الدقيقة، ندرك مدى انضباط اللغة العربية ودقتها. تذكر دائماً أن المفتاح لإتقان هذا الأسلوب هو معرفة نوع الفعل: هل هو مستوفٍ للشروط فيصاغ مباشرة؟ أم فقد شرطاً فنلجأ للمساعد والمصدر؟ أما الأفعال الجامدة وتلك التي لا تفاوت فيها، فهي خارجة عن نطاق هذا الأسلوب البديع.
