أهلاً بكم يا طلاب العلم ومحبي لغة الضاد في مجلسنا هذا. دعونا نتفق بدايةً على حقيقة بسيطة: نحن كبشر لا نتوقف عن الكلام، ولكن هل سألتم أنفسكم يوماً ما طبيعة هذا الكلام الذي نطلقه؟ في علم البلاغة، وتحديداً في "علم المعاني"، ينظر العلماء إلى الجملة العربية نظرة فاحصة، فيقسمونها إلى قسمين رئيسيين لا ثالث لهما: [الخبر والإنشاء].
![]() |
| الخبر والإنشاء: دليلك لفهم الجملة العربية |
هذا التقسيم ليس مجرد تصنيف نحوي جاف، بل هو مفتاح لفهم "نية المتكلم" و"حالة المخاطب". هل يريد المتكلم أن يخبرنا بمعلومة؟ أم يريد أن يطلب منا شيئاً؟ أم يعبر عن مشاعر جياشة؟ اليوم، سنبحر معاً في رحلة ممتعة لنفكك هذه القواعد كما وردت في منهجكم، ونحولها من مصطلحات صعبة إلى أدوات تذوق أدبي نستخدمها ونفهمها بوضوح.
أولاً: الخبر.. ما يحتمل الصدق والكذب
لنبدأ بالشق الأول من عنواننا وهو "الخبر". تعريفه في غاية البساطة والوضوح: هو الكلام الذي يحتمل الصدق أو الكذب لذاته، وذلك بغض النظر عن قائله.
ما معنى هذا؟ تخيل أن شخصاً دخل الغرفة وقال: "نجح زيد". هذه الجملة تخبرنا عن واقعة معينة. يمكنك أن تذهب وتتحقق؛ فإذا وجدت زيداً ناجحاً فالكلام "صدق"، وإذا لم ينجح فالكلام "كذب". إذن، المعيار هنا هو: هل يمكننا مطابقة هذا الكلام مع الواقع؟ إذا كانت الإجابة نعم، فهذا أسلوب خبري.
أضرب الخبر (أنواعه الثلاثة)
البلاغة تعلمنا ذكاء التواصل. أنت لا تخاطب الناس كلهم بنفس الطريقة، أليس كذلك؟ حال المخاطب هو الذي يحدد شكل الجملة الخبرية. لذا ينقسم الخبر إلى ثلاثة أنواع بناءً على حالة الشخص الذي تتحدث إليه:
- 1. الخبر الابتدائي (لخالي الذهن):
إذا كان المستمع لا يعرف شيئاً عن الموضوع، وليس لديه أي شك، فأنت لست بحاجة للقسم أو التوكيد. تكفيك الجملة المجردة.
مثال: "قرأتُ الدرسَ". أو "الحياةُ جهادٌ".
هنا ألقي الكلام دون أي مؤكدات لأن المخاطب خالي الذهن. - 2. الخبر الطلبي (للمتردد):
هنا المستمع لديه علم بالأمر لكنه "شاك" أو "متردد" ويطلب الاطمئنان. في هذه الحالة، يستحسن أن نستخدم وسيلة توكيد واحدة لنقوي المعنى في نفسه.
مثال: "إنَّ الحياةَ جهادٌ".
استخدمنا (إنَّ) كأداة توكيد لتبديد الشك. - 3. الخبر الإنكاري (للمنكر):
هذا أصعب المواقف، فالمخاطب هنا ينكر ما تقوله ولا يصدقه. هنا يجب عليك أن تحشد أدوات التوكيد (القسم، إنّ، اللام المزحلقة، إلخ) لتواجه إنكاره.
مثال: "واللهِ إنَّ الحياةَ لجهادٌ".
لاحظوا كيف اجتمع القسم، و(إنّ)، واللام، لأن المقام مقام إنكار.
ثانياً: الإنشاء.. عالم الإبداع والطلب
ننتقل الآن إلى الشق الثاني والأكثر حيوية: الإنشاء. وهو الكلام الذي لا يحتمل الصدق والكذب. لماذا؟ لأنه لا يخبر عن واقع موجود، بل هو "يُنشئ" واقعاً جديداً أو يطلب شيئاً غير حاصل.
عندما تقول لشخص: "اجتهدْ"، هل يمكن أن يقول لك "أنت كاذب"؟ بالطبع لا، لأنك لم تخبره بمعلومة، بل طلبت منه فعلاً. ينقسم الإنشاء إلى نوعين: طلبي، وغير طلبي.
الإنشاء الطلبي: خمسة مفاتيح للبلاغة
هو ما يستدعي مطلوباً غير حاصل وقت الطلب، وهو النوع الذي يهتم به البلاغيون كثيراً، وله خمس صيغ أساسية:
1. الأمر:
هو طلب الفعل على وجه الاستعلاء (من الأعلى للأدنى). صيغته الأصلية فعل الأمر مثل: "اقرأ"، أو المضارع المقرون بلام الأمر "ليقمْ كلٌّ إلى عمله".
لكن الجمال البلاغي يكمن في خروج الأمر عن معناه الحقيقي. فعندما يدعو العبد ربه: {ربِّ اغفر لي}، الفعل "اغفر" صيغته أمر، لكن معناه البلاغي هو "الدعاء"، لأن العبد لا يأمر ربه. وإذا كان الطلب بين صديقين متساويين يسمى "التماساً".
2. النهي:
هو طلب الكف عن الفعل، وله صيغة واحدة هي المضارع المسبوق بـ (لا) الناهية، مثل: "لا تهملْ واجبك".
وكما في الأمر، يخرج النهي لأغراض بلاغية. انظروا لقوله تعالى: {ربَّنا لا تؤاخذنا إن نسينا}. النهي هنا "لا تؤاخذنا" غرضه "الدعاء". وقد يكون غرضه "التوبيخ" أو "التيئيس" مثل: "لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم".
3. الاستفهام:
هو طلب العلم بشيء لم يكن معلوماً، وأدواته كثيرة (الهمزة، هل، من، ما، متى، أين.. إلخ).
ولكن، هل نسأل دائماً لنعرف الإجابة؟ أحياناً نسأل لننكر! مثل قوله تعالى: {أغيرَ اللهِ تدعون؟}. هذا استفهام غرضه "الإنكار". أو نسأل لنتمنى، أو لنقرر حقيقة مثل: {ألم نشرح لك صدرك؟} (استفهام تقريري).
4. التمني:
هو طلب أمر محبوب لا يُرجى حصوله (إما لكونه مستحيلاً أو بعيد المنال). الأداة الأصلية للتمني هي "ليت".
يقول الشاعر: "ألا ليت الشباب يعود يوماً". هنا الشاعر يطلب المستحيل. وقد نستخدم أدوات أخرى للتمني لغرض بلاغي، مثل استخدام "هل" أو "لعل" لإظهار المستحيل في صورة الممكن القريب، كقول الكفار: {فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا}.
5. النداء:
هو طلب إقبال المخاطب بحرف من أحرف النداء (يا، أيا، هيا، الهمزة..).
قد يخرج النداء عن معناه الأصلي ليفيد "الزجر" مثل: "يا قلبُ ويحكَ ما سمعتَ نُصحاً"، أو "التحسر" و"الندبة" مثل قولنا: "وا إسلاماه" أو "وا حسرتاه".
الإنشاء غير الطلبي (لمحة سريعة)
وهو ما لا يستدعي مطلوباً، ويدل على إنشاء المعنى في الحال، ومن صيغه:
- المدح والذم: (نِعمَ، بئسَ، حبذا).
- القسم: (والله، بالله، تالله).
- التعجب: (ما أجملَ السماء!).
- أفعال الرجاء: (عسى، حرى، اخلولق).
أسرار الجمال في الأسلوبين
الآن، وقد فهمنا الفرق بين [الخبر والإنشاء]، قد تتساءلون: كيف نستخدم هذه المعرفة؟
البلاغة الحقيقية هي معرفة متى تستخدم هذا ومتى تستخدم ذاك. الكاتب البارع هو الذي يمزج بين الأسلوب الخبري ليقرر الحقائق ويسرد الأحداث، وبين الأسلوب الإنشائي ليثير الانتباه ويحرك المشاعر ويشرك القارئ في النص.
تأملوا هذا المثال البلاغي:
عندما يقول الشاعر في رثاء ابنه: "يا كوكباً ما كان أقصر عمره".
بدأ بأسلوب إنشائي (نداء: يا كوكباً) ليظهر حرقة قلبه ولوعته، ثم اتبعه بأسلوب تعجب (ما كان أقصر عمره) لبيان عظم المصيبة.
مثال آخر في التحسر:
قوله تعالى على لسان امرأة عمران: {ربِّ إني وضعتُها أنثى}.
هذه جملة خبرية (تخبر الله بما حدث)، ولكن الغرض البلاغي منها ليس الإخبار (فالله يعلم)، بل الغرض هو "إظهار التحسر والضعف".
خاتمة ونصيحة
أعزائي الطلاب، إن درس [الخبر والإنشاء] ليس مجرد قواعد تُحفظ للامتحان، بل هو تدريب للعقل على فهم "ما وراء الكلام". عندما تقرؤون القرآن الكريم أو الشعر العربي، لا تقفوا عند ظاهر الجملة. اسألوا أنفسكم: هل هذا خبر أم إنشاء؟ وإذا كان خبراً، لماذا أكده؟ وإذا كان إنشاءً، ماذا يقصد به؟
تذكروا دائماً: الأمر ليس مجرد "افعل"، والنهي ليس مجرد "لا تفعل". اللغة العربية بحر واسع من المشاعر والمعاني المختبئة خلف هذه الصيغ. التدريب المستمر على تذوق هذه الأساليب سيجعل منكم قراءً متميزين ومتحدثين بارعين يملكون ناصية البيان.
