تعتبر مطابقة الفعل للفاعل من أهم ركائز البلاغة والسلامة اللغوية في اللغة العربية. وحين نتحدث عن الفاعل المؤنث، يبرز موضوع "تأنيث الفعل مع الفاعل" كأحد الأبواب الدقيقة التي تحتاج إلى تفصيل؛ فالفعل تارة يجب تأنيثه، وتارة يجوز فيه الوجهان (التأنيث والتذكير).
![]() |
| أحكام تأنيث الفعل مع الفاعل: الوجوب والجواز |
في هذا المرجع الكامل، سنستعرض القواعد الأصولية لكيفية تأنيث الفعل، وحالات الوجوب والجواز، مع توضيح الفروق الجوهرية بين تاء التأنيث وتاء الفاعل، مدعومين بالأمثلة والنماذج الإعرابية.
أولاً: كيف يؤنث الفعل؟ (العلامات والآلية)
قبل الخوض في أحكام الفاعل، يجب أن نعرف كيف تظهر علامة التأنيث على الفعل نفسه باختلاف زمنه. تختلف علامة التأنيث باختلاف صيغة الفعل بين الماضي والمضارع:
1. تأنيث الفعل الماضي
يؤنث الفعل الماضي بإلحاق تاء ساكنة في آخره، وتكون هذه التاء مفتوحة (مبسوطة).
المثال: (فازَ) للمذكر، تصبح (فازَتْ) للمؤنث.
لاحظ السكون على التاء في: فازَتْ سعادُ في المسابقة.
2. تأنيث الفعل المضارع
أما الفعل المضارع، فتكون علامة تأنيثه في أوله، وتكون عبارة عن تاء متحركة.
المثال: (يفوزُ) للمذكر، تصبح (تَفوزُ) للمؤنث.
نقول: تَفوزُ سعادُ.
ثانياً: متى يجب تأنيث الفعل؟ (حالات الوجوب)
هناك حالات محددة لا تقبل اللغة فيها إلا وجهاً واحداً، وهو تأنيث الفعل ومطابقته للفاعل. وهاتان الحالتان هما:
الحالة الأولى: الاسم الظاهر حقيقي التأنيث المتصل
يجب تأنيث الفعل إذا كان الفاعل اسماً ظاهراً حقيقي التأنيث، واتصل بالفعل اتصالاً مباشراً دون وجود أي فاصل بينهما.
- المثال: فازَتْ سعادُ في المسابقة.
- التحليل: (سعاد) فاعل اسم ظاهر، وهو مؤنث حقيقي (من عالم الإنسان)، وجاءت مباشرة بعد الفعل (فازت). لذا وجب وضع التاء.
الحالة الثانية: الضمير المستتر العائد على مؤنث
يجب تأنيث الفعل إذا كان الفاعل ضميراً مستتراً يعود على مؤنث، وسواء كان هذا المؤنث حقيقياً أم مجازياً.
- مثال العائد على حقيقي: سعادُ قرأَتْ الدرسَ.
الفاعل هنا ضمير مستتر تقديره (هي) يعود على (سعاد)، لذا وجب التأنيث. - مثال العائد على مجازي: الصدقةُ تُطفئُ الخطيئة.
الفاعل ضمير مستتر تقديره (هي) يعود على (الصدقة)، وهي مؤنث مجازي، ومع ذلك يجب التأنيث لأن الفاعل ضمير. - مثال العائد على جمع تكسير لغير العاقل: العصافيرُ غردَتْ (أي غردت هي).
ثالثاً: متى يجوز تأنيث الفعل وتذكيره؟ (حالات الجواز)
تتسم اللغة العربية بالمرونة في مواضع محددة، حيث يجوز للمتكلم أن يلحق تاء التأنيث بالفعل أو يحذفها، وذلك في ثلاث حالات رئيسية:
1. الفصل بين الفعل والفاعل
إذا كان الفاعل اسماً ظاهراً حقيقي التأنيث، ولكن فُصِل بينه وبين الفعل بفاصل (غير "إلا")، جاز التأنيث والتذكير.
الأمثلة:
- قرأتْ القصةَ فاطمةُ. (بالتأنيث - وهو الأفضل).
- قرأ القصةَ فاطمةُ. (بالتذكير).
هنا كلمة (القصة) جاءت مفعولاً به وفصلت بين الفعل (قرأ) والفاعل (فاطمة)، مما جعل الحكم جائزاً.
2. الفاعل المجازي التأنيث الظاهر
إذا كان الفاعل اسماً ظاهراً، ولكنه مجازي التأنيث (أي مما لا يلد ولا يبيض ويعامل لغوياً معاملة المؤنث)، جاز الوجهان.
الأمثلة:
- طلعتْ الشمسُ. (تأنيث).
- طلعَ الشمسُ. (تذكير).
3. الفاعل جمع تكسير
إذا كان الفاعل جمع تكسير، سواء كان للعاقل المذكر أو المؤنث، يجوز معاملة الفعل معه بالتذكير أو التأنيث.
الأمثلة:
- جاءتْ الغلمانُ. (بتأويل الجماعة).
- جاءَ الغلمانُ. (بتأويل الجمع).
- بكتْ الثواكلُ.
- بكى الثواكلُ.
رابعاً: الفرق الدقيق بين تاء الفاعل وتاء التأنيث
يخلط الكثير من الدارسين بين التاء التي تلحق الفعل لتدل على الفاعل (المتكلم أو المخاطب)، وبين التاء التي تلحق الفعل لتدل على أن الفاعل مؤنث. الجدول التالي يوضح الفروق الجوهرية كما وردت في قواعد النحو:
| وجه المقارنة | تاء الفاعل | تاء التأنيث |
|---|---|---|
| الحركة | متحركة دائماً (بالضم، الفتح، أو الكسر). كتبتُ (أنا)، كتبتَ (أنت)، كتبتِ (أنتِ). |
ساكنة دائماً مع الماضي. كتبَتْ هندُ الدرسَ. |
| ما قبلها | يكون الحرف قبلها ساكناً (سكون بناء). قرأْتُ. |
يكون الحرف قبلها مفتوحاً. قرأَتْ التلميذةُ. |
| الموقع الإعرابي | لها محل من الإعراب، فهي ضمير مبني في محل رفع فاعل. | حرف لا محل له من الإعراب، وظيفته الدلالة على التأنيث فقط. |
خامساً: نماذج إعرابية تطبيقية
لفهم القواعد السابقة بشكل عملي، إليك نماذج إعرابية توضح كيفية التعامل مع الفعل والفاعل وتاء التأنيث:
نموذج (1): قرأَتْ ليلى القصةَ
- قرأَتْ: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء حرف تأنيث مبني على السكون لا محل له من الإعراب.
- ليلى: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة.
- القصةَ: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
- الحكم: واجب التأنيث (لأن الفاعل اسم ظاهر حقيقي التأنيث متصل).
نموذج (2): العصافيرُ غردَتْ
- العصافيرُ: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
- غردَتْ: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء للتأنيث. والفاعل ضمير مستتر تقديره (هي) يعود على العصافير.
- الحكم: واجب التأنيث (لأن الفاعل ضمير مستتر يعود على مؤنث/جمع تكسير لغير العاقل).
نموذج (3): طلعَتْ الشمسُ
- طلعَتْ: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء للتأنيث.
- الشمسُ: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
- الحكم: جائز التأنيث (لأن الفاعل اسم ظاهر مجازي التأنيث). يجوز أن نقول: طلعَ الشمسُ.
إن استيعاب أحكام تأنيث الفعل مع الفاعل يمنح المتحدث والكاتب قدرة فائقة على ضبط الكلام وتجنب اللحن. وتتلخص القاعدة الذهبية في النظر إلى نوع الفاعل (ظاهر أم مضمر، حقيقي أم مجازي) ومدى اتصاله بالفعل. نرجو أن يكون هذا الشرح المفصل قد أجلى الغموض حول هذا الباب النحوي الهام.
