هندسة المعاني: الدليل الشامل والمفصل لفهم "المجاز العقلي" وأسراره البلاغية
مرحباً بك مجدداً، أيها الباحث الشغوف بجماليات العربية. إذا كنت تعتقد أن البلاغة هي مجرد "تزيين" للكلام، فأنت لم تفتح بعد باب المجاز العقلي. هذا الباب تحديداً هو الذي ينقلنا من مرحلة "تذوق الكلمات" إلى مرحلة "هندسة العقول". نحن هنا لا نتحدث عن استبدال لفظة بلفظة كما فعلنا في الاستعارة، بل نتحدث عن "لعبة ذكية" تجري في عقل المتكلم والسامع معاً، تُعيد ترتيب العلاقات المنطقية في الجملة لتنتج لنا معنىً جديداً مدهشاً.
![]() |
| المجاز العقلي | شرح شامل لعلاقاته وأسراره |
في هذا الدرس المفصل، سنقوم بتفكيك هذا المفهوم المعقد إلى أجزاء بسيطة، ونغوص في عمق الأمثلة التي وردت في مصادرك الدراسية، لنفهم كيف يُسند العرب الفعلَ إلى غير فاعله، ولماذا يُعتبر هذا قمة البلاغة.
أولاً: المفهوم الدقيق.. ما وراء تعريف "الإسناد"
قبل أن نسرد الأنواع، يجب أن نقف وقفة متأنية عند التعريف، ففهم التعريف هو نصف الإجابة. يُعرّف المجاز العقلي بأنه: «إسناد الفعل أو ما في معناه (كاسم الفاعل، واسم المفعول، والمصدر) إلى غير ماهو له، لعلاقة مع قرينة تمنع الإسناد الحقيقي».
دعنا نحلل هذا الكلام الأكاديمي بلغة الحوار:
- الإسناد: هو الحكم بأن فلاناً فعل كذا. عندما تقول "أكل الطفل"، أنت أسندت الأكل للطفل. هذا إسناد حقيقي.
- إلى غير ما هو له: هنا بيت القصيد. عندما تقول "بنى الأميرُ القصر"، أنت أسندت البناء للأمير، لكن في الواقع (الحقيقة العقلية)، العمال هم من بنوا، والأمير أصدر الأمر فقط.
- المجاز هنا في "الجملة" لا "اللفظ": انتبه لهذا الفارق الجوهري؛ في الاستعارة والمجاز المرسل، اللفظ نفسه يُستعمل في غير معناه (كلمة "أسد" تُطلق على "رجل شجاع"). أما في المجاز العقلي، فالألفاظ كلها حقيقية: (بنى) تعني البناء المعروف، و(الأمير) هو الأمير المعروف، و(القصر) هو القصر. لكن "الربط" بين الأمير والبناء هو المجازي.
ثانياً: خريطة العلاقات في المجاز العقلي
السؤال الذي يدور في ذهنك الآن: كيف أعرف إلى أي شيء أسند المتكلم الفعل؟ وما هي المسوغات (العلاقات) التي تجعل هذا الإسناد مقبولاً بلاغياً؟ الإجابة تكمن في استعراض العلاقات الست الكبرى التي وردت في النصوص، وهي كالآتي:
1. العلاقة السببية (سلطة السبب على المباشر)
هذه هي العلاقة الأكثر شيوعاً في لغتنا وحياتنا اليومية. وهي أن يُسند الفعل إلى "السبب" المؤدي إليه، وليس للفاعل المباشر الذي قام به بالجوارح.
تحليل المثال التاريخي: «حاصر نابليون مدينة عكّا»
- الفعل: حاصر.
- الفاعل المذكور (المجازي): نابليون.
- الفاعل الحقيقي: جنود الجيش الفرنسي.
- القرينة (الدليل): استحالة أن يقوم شخص واحد بمحاصرة مدينة كاملة بمفرده.
- العلاقة: السببية. فنابليون هو القائد والآمر، وفعله (الأمر) تسبب في فعل الجنود (الحصار)، فصح إسناد الفعل إليه.
من القرآن الكريم: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾
فرعون يخاطب وزيره هامان بـ "ابنِ". هامان وزير، ولن يشمّر عن ساعديه ويحمل الطين والآجر. البناؤون هم الفاعلون الحقيقيون. ولكن لما كان هامان هو المشرف والسبب المباشر في تنفيذ أوامر فرعون، أُسند إليه البناء مجازاً.
2. العلاقة المكانية (حين يتحدث المكان)
في هذا النوع، يُسند الفعل إلى "المكان" الذي وقع فيه الحدث، لإعطاء انطباع بشمولية الفعل للمكان كله.
المثال البليغ: «مشت المدينةُ في تظاهرة» أو «ازدحمت الشوارعُ»
لنتأمل بذكاء: المدينة (مبانٍ، طرقات، جدران) جماد لا يمشي. الشوارع (أسفلت وأرصفة) لا تزدحم (أي لا تقوم بفعل الازدحام بنفسها).
الذي مشى وازدحم هم "الناس" الموجودون في المدينة والشوارع.
إذن، أسندنا الفعل (مشت/ازدحمت) إلى المكان (المدينة/الشوارع) لأن المكان هو وعاء الحدث. هذا يعطي صورة ضخمة بأن المدينة كلها تحولت إلى كتلة بشرية تتحرك.
المثال الكلاسيكي: «جَرَى النهرُ»
النهر في اللغة هو "الخد" أو "الشق" في الأرض. الأرض لا تجري. الذي يجري هو "الماء" داخل النهر. فإسناد الجريان للنهر مجاز عقلي علاقته المكانية.
3. العلاقة الزمانية (الزمن كفاعل للأحداث)
وهي من أرق العلاقات وأكثرها شاعرية، حيث يُسند الفعل إلى "الزمان" الذي وقع فيه.
تحليل المثال: «نَهارُ الزّاهدِ صَائِمٌ»
- الفعل (اسم الفاعل): صائم.
- المسند إليه: نهار الزاهد.
- التحليل العقلي: النهار زمن، والزمن لا يملك نية ولا معدة ليمسك عن الطعام. الصوم صفة للإنسان (الزاهد).
- السر البلاغي: لما كان صيام الزاهد يستغرق النهار كله، أصبح النهار وكأنه هو الصائم. أُسند الوصف للزمان (النهار) لعلاقة زمانية. ومثله: "ليله قائم"، فالليل لا يصلي، بل الزاهد يصلي فيه.
مثال شعري: «شَابَتْ نَوَاصِي اللَّيَالِي»
الليالي لا تملك شعراً ليشيب (بياض الشيب). الذي يشيب هو الإنسان الذي تمر عليه الليالي بمصائبها. أسند الشاعر فعل الشيب لليالي لأنها الظرف الزماني الذي يحدث فيه الشيب والهموم.
4. العلاقة المصدرية (تجسيد الحدث)
وهي إسناد الفعل إلى "مصدره" بدلاً من فاعله، للدلالة على قوة حدوث الفعل حتى كأن الفعل صار شخصاً مستقلاً.
المثال: «جَدَّ جِدُّهُم»
أصل الكلام: (جَدَّ القومُ جِدّاً). الفاعل الحقيقي هم "القوم". والمصدر هو "الجد" (الاجتهاد).
عندما نقول "جَدَّ جِدُّهُم"، جعلنا "الجد" هو الذي "يَجِدُّ" ويجتهد! هذا تصوير بليغ يرينا أن اجتهادهم وصل لمرحلة صار فيها الاجتهاد نفسه كائناً حياً يعمل. العلاقة هنا مصدرية.
5. العلاقة المفعولية (اسم الفاعل بمعنى المفعول)
هذا النوع يحتاج لتركيز دقيق، وهو خاص بالمشتقات (اسم الفاعل واسم المفعول). هنا نستخدم صيغة "اسم الفاعل" (على وزن فاعل) ولكننا نقصد معنى "اسم المفعول" (الذي وقع عليه الفعل).
الشاهد القرآني: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾
- اللفظ: راضية (اسم فاعل).
- المعنى الحقيقي: العيشة لا قلب لها لترضى أو تغضب.
- المقصود: عيشة "مَرْضِيٌّ عنها" (اسم مفعول)، أي يرضاها صاحبها.
- الإسناد: أسندنا الرضا للعيشة (مجازاً) بلفظ اسم الفاعل، والمقصود المفعولية. هذا يوحي بأن العيشة من كمالها وروعتها كأنها هي التي تشعر بالرضا، وليس صاحبها فقط.
6. العلاقة الفاعلية (اسم المفعول بمعنى الفاعل)
عكس السابقة تماماً. نستخدم لفظ "اسم المفعول" ونقصد "الفاعل".
الشاهد القرآني: ﴿حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾
- اللفظ: مستوراً (اسم مفعول، أي هناك من ستره).
- المعنى السياقي: الله يجعل بين الكافرين والقرآن حجاباً. هذا الحجاب هو الذي "يستر" الكافرين عن الفهم، فهو "ساتر" (اسم فاعل).
- التحليل: استعمل القرآن "مستور" وأراد "ساتر". وقيل: مستوراً أي ساتراً لغيره، وقيل: مستوراً عن الأعين فلا يُرى. وعلى التفسير الأول (ساتر)، يكون مجازاً عقلياً علاقته الفاعلية.
- مثال آخر: «سيلٌ مُفعَم». المُفعَم (اسم مفعول) تعني المملوء. لكن السيل هو الذي "يُفعِم" (يملأ) الوادي، فهو "مُفعِم" (اسم فاعل). إطلاق المفعول وإرادة الفاعل هنا مجاز عقلي.
ثالثاً: ورشة عمل تطبيقية.. كيف تحلل النص في الامتحان؟
عزيزي الطالب، حتى تضمن الدرجة الكاملة وتفهم بعمق، إليك هذه المنهجية الصارمة لتحليل أي بيت شعر أو آية قرآنية يُشتم فيها رائحة المجاز العقلي:
الخطوة الأولى: استخراج الإسناد
ابحث عن الجملة الفعلية (فعل + فاعل) أو ما يشبهها (مبتدأ + خبر مشتق).
مثال: "بنى الأميرُ المدينةَ". الإسناد هنا بين (بنى) و (الأمير).
الخطوة الثانية: اختبار الحقيقة (القرينة)
اطرح سؤالاً منطقياً: هل "الأمير" هو الفاعل المباشر للبناء (وضع الحجارة)؟
الإجابة: لا، هذا مستحيل عادةً أو عقلاً. إذن، هناك "قرينة" (مانع) تمنع المعنى الحقيقي. الإسناد هنا مجازي.
الخطوة الثالثة: البحث عن الفاعل الحقيقي
من الذي بنى فعلاً؟
الإجابة: العمال والمهندسون.
الخطوة الرابعة: تحديد العلاقة
ما العلاقة بين الفاعل المذكور (الأمير) والفاعل الحقيقي (العمال)؟
الإجابة: الأمير هو "السبب" والآمر. إذن العلاقة: السببية.
رابعاً: سر الجمال.. لماذا نلجأ للمجاز العقلي؟
قد يقول قائل: لماذا لا نقول "بنى العمال المدينة بأمر الأمير" وينتهي الأمر؟ لماذا اللف والدوران؟
الإجابة تكمن في ثلاثة أسرار بلاغية:
- الإيجاز: المجاز العقلي يعطيك المعنى في كلمات أقل. "بنى الأمير المدينة" أوجز وأقوى من الشرح الطويل.
- المبالغة: عندما تقول "جَدَّ جِدُّهم"، أنت تبالغ في وصف اجتهادهم لدرجة تجسيده. وعندما تقول "عيشة راضية"، تبالغ في وصف الرفاهية لدرجة أن العيشة نفسها رضيت.
- التركيز على المؤثر: في قولنا "هزم القائد الجيش"، نحن لا نهتم بالجنود الأفراد، بل نهتم بعبقرية القائد التي كانت السبب الرئيس للنصر. المجاز العقلي يسلط الضوء على "الدينامو" المحرك للأحداث (سواء كان سبباً، أو زماناً، أو مكاناً).
كلمة أخيرة
إن [المجاز العقلي] هو دليل على مرونة العقل العربي وقدرة اللغة على التوسع. إنه يثبت أن الحقيقة ليست دائماً في "ظاهر اللفظ"، بل في "باطن المعنى". عندما تقرأ القرآن الكريم أو الشعر العربي الآن، لا تمر على الأفعال مرور الكرام، بل توقف واسأل: من الفاعل؟ ولماذا نُسب الفعل إليه؟ حينها فقط، ستتذوق طعماً جديداً للبلاغة لم تعهده من قبل.
