تُعد بنية الجملة الفعلية في اللغة العربية نظاماً دقيقاً تتشابك فيه العلاقات بين الكلمات لتوليد المعاني، ويقف "الفعل" في قلب هذا النظام كالمحرك الرئيسي للأحداث. ومن أهم التقسيمات التي بنى عليها علماء العربية قواعدهم هو تقسيم الفعل من حيث "التعدي واللزوم". ومحور حديثنا في هذا البحث الموسع هو أنواع الفعل المتعدي، ذلك الفعل الذي يمتلك طاقة لغوية تتجاوز حدود الفاعل لتصل إلى مفعول به واحد أو أكثر، مانحاً الجملة أبعاداً دلالية معقدة وثرية. إن فهم هذه الأنواع ليس مجرد حفظ لقواعد جافة، بل هو السبيل الوحيد لضبط أواخر الكلمات، وفهم المعاني العميقة للنصوص، والتمييز بين ما يكتفي بذاته وما يحتاج إلى غيره ليتمم معناه.
![]() |
| أنواع الفعل المتعدي: القواعد، الأقسام، والتطبيقات |
في هذا الدليل، سنقوم بتفكيك أنواع الفعل المتعدي بناءً على عدد المفاعيل التي ينصبها، وسنغوص في الفروق الدقيقة بين أفعال القلوب والتحويل والمنح، مستندين إلى الشواهد النحوية الدقيقة.
أولاً: جوهر التعدي (الفرق الجوهري)
قبل الدخول في التفاصيل، يجب تأصيل المفهوم. الفعل المتعدي هو الذي لا يكتفي بفاعله لإتمام معنى الجملة، بل يتعداه (أي يتجاوزه) ليصل إلى اسم منصوب يسمى المفعول به. لو قلنا مثلاً: "شرح المعلمُ..." وسكتنا، لظل الذهن معلقاً ينتظر إجابة عن سؤال: "ماذا شرح؟". ولكن حين نقول: "شرح المعلمُ الدرسَ"، استقرت الجملة وتمت الفائدة بذكر المفعول به.
وهذا يختلف جذرياً عن الفعل اللازم (مثل: جلس، نام، ذهب) الذي يكتفي بفاعله، ولا يحتاج لمفعول به، وإنما قد يحتاج لجار ومجرور أو ظرف لتوضيح الملابسات فقط، دون أن يقع الفعل على مفعول مباشر.
ثانياً: تصنيف الأفعال المتعدية بحسب قوتها
تتفاوت الأفعال المتعدية في "قوتها" الإعرابية، فبعضها يكتفي بنصب مفعول واحد، وبعضها يمتلك القدرة على نصب مفعولين، وبعضها يتجاوز ذلك لنصب ثلاثة مفاعيل. وفيما يلي التفصيل:
النوع الأول: الفعل المتعدي لمفعول به واحد
يمثل هذا النوع الشريحة الأوسع والأكثر استخداماً في اللغة العربية. وفيه تكتمل الصورة الذهنية للحدث بذكر ثلاثة أركان: (الفعل + الفاعل + مفعول به واحد). ولا يصح المعنى بدونه.
أمثلة وتحليل إعرابي:
- "أحبَّ الرجلُ الصادقَ":
- الفعل (أحب): فعل ماضٍ متعدٍ.
- الفاعل (الرجل): هو من قام بالحب.
- المفعول به (الصادق): هو من وقع عليه الحب، وجاء منصوباً بالفتحة.
- "أكرمتُ أخاك":
- هنا الفعل (أكرم) تعدى إلى (أخاك)، ونلاحظ أن علامة النصب هي "الألف" لأنه من الأسماء الخمسة، وهذا يوضح أثر الفعل المتعدي في تغيير علامات الإعراب الفرعية.
- "حصدَ الفلاحون القمحَ":
- الفعل (حصد) وقع أثره على (القمح).
- "كرمتِ الدولةُ الفائقاتِ":
- (الفائقات) مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
النوع الثاني: الفعل المتعدي لمفعولين (الباب الأهم)
هذا النوع هو الذي يظهر فيه ثراء اللغة العربية ودقتها. فهذه الأفعال لا تكتفي بمفعول واحد، ولو اقتصرنا عليه لصار المعنى ناقصاً أو مبهماً. وينقسم هذا النوع إلى قسمين رئيسيين لا بد من التفريق بينهما بدقة:
القسم (أ): أفعال تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر (ظن وأخواتها)
سميت بذلك لأنها تدخل على "الجملة الاسمية" (المكونة من مبتدأ وخبر مرفوعين)، فتنسخ حكم الرفع فيهما، وتحولهما إلى "مفعول به أول" و"مفعول به ثانٍ" منصوبين. وتنقسم دلالياً إلى:
1. أفعال تفيد الرجحان (الظن والشك)
وهي الأفعال التي تعبر عن ترجيح وقوع الأمر دون يقين قاطع، وهي: (ظنَّ - حَسِبَ - خَالَ - زَعَمَ).
- مثال: "حسبتُ الجوَّ معتدلاً".
التحليل: قبل دخول الفعل، كانت الجملة: "الجوُّ معتدلٌ" (مبتدأ وخبر). بعد دخول (حسبت)، أصبح (الجوَّ) مفعولاً أول، و(معتدلاً) مفعولاً ثانياً. - مثال: "ظننتُ الفريقين متعادلين".
التحليل: نصبت كلمة (الفريقين) بالياء لأنها مثنى (مفعول أول)، و(متعادلين) بالياء (مفعول ثانٍ).
2. أفعال تفيد اليقين
وهي الأفعال التي تدل على الاعتقاد الجازم والتأكد القلبي، وهي: (رأى - علِمَ - وجَدَ).
- مثال: "رأيتُ الصدقَ منجياً".
التحليل: الرؤية هنا ليست بالعين، بل بالقلب (اليقين)، ولذلك نصبت مفعولين: (الصدق) و(منجياً). - مثال: "علمتُ الحقَ واضحاً".
- مثال: "وجدتُ العلمَ سلاحاً".
3. أفعال تفيد التحويل
وهي التي تدل على تغيير الشيء من حال إلى حال، ومن أشهرها: (صيّر - جَعَلَ - حَوّلَ - اتخذ).
- مثال: "جعلتُ الكتابَ صديقاً".
التحليل: حولت العلاقة بالكتاب إلى صداقة. (الكتاب: مفعول أول، صديقاً: مفعول ثانٍ). - مثال: "صيّر النجارُ الخشبَ مقعداً".
قاعدة الحذف (الدليل القاطع): في هذا القسم، إذا قمنا بحذف الفعل والفاعل، فإن الجملة تعود لأصلها (مبتدأ وخبر) وتعطي معنى تاماً. (حسبت الامتحان سهلاً -> الامتحان سهل).
القسم (ب): أفعال تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر (أفعال المنح)
وهي أفعال تتعدى لمفعولين، لكن لا توجد بين المفعول الأول والمفعول الثاني علاقة "الإسناد" (أي لا يصح أن يكونا مبتدأ وخبراً). ومن أشهر هذه الأفعال: (مَنَحَ - أَعْطَى - كَسَا - أَلْبَسَ - مَنَعَ - سَأَلَ "بمعنى طلب").
أمثلة توضيحية:
- "منحَ اللهُ الإنسانَ عقلاً".
المفعول الأول: الإنسان.
المفعول الثاني: عقلاً.
اختبار الحذف: لو حذفنا (منح الله)، تبقى لدينا: "الإنسانُ عقلٌ". هل هذه جملة مفيدة؟ لا، فالإنسان ليس عقلاً (الإخبار غير صحيح). إذن، المفعولان هنا ليس أصلهما المبتدأ والخبر. - "كسا الربيعُ الأرضَ خضرةً".
المفعولان: الأرضَ، خضرةً. (لا يصح القول: الأرضُ خضرةٌ). - "أعطى الغنيُّ الفقيرَ مالاً".
المفعولان: الفقيرَ، مالاً.
النوع الثالث: الفعل المتعدي لثلاثة مفاعيل
وهي أعلى درجات التعدي، وتختص بها أفعال تفيد "الإخبار والإعلام". في هذا التركيب، يخبر الفاعلُ المفعولَ الأولَ بأمرٍ يتعلق بالمفعول الثاني وحكمه (المفعول الثالث). ومن هذه الأفعال: (أعلم - أرى - أنبأ - نبأ - أخبر - خبّر).
تفكيك الجملة (مثال نموذجي): "أَعْلَمْتُ التلميذَ الامتحانَ سهلاً"
- أعلمتُ: فعل ماضٍ مبني، والتاء تاء الفاعل.
- التلميذَ: مفعول به أول منصوب (هو المُخبَر).
- الامتحانَ: مفعول به ثانٍ منصوب.
- سهلاً: مفعول به ثالث منصوب (هو الخبر عن الامتحان).
ثالثاً: تنبيهات لغوية دقيقة (تغير التعدي بتغير المعنى)
من عبقرية العربية أن الفعل الواحد قد يتغير عمله النحوي جذرياً إذا تغير معناه الدلالي. وهذه نقطة يقع فيها الكثير من الدارسين، لذا وجب التنويه عليها بدقة:
1. الفعل "رأى" (بين البصر والبصيرة)
- رأى القلبية (العلمية): وهي التي تأتي بمعنى "علم وأيقن"، ويكون مفعولها غالباً أمراً معنوياً غير محسوس. هذه تنصب مفعولين.
مثال: "رأيتُ الحقَ واضحاً" (الحق لا يُرى بالعين، بل يُدرك بالعقل). - رأى البصرية: وهي التي تأتي بمعنى "أبصر وشاهد بالعين"، ويكون مفعولها مادياً محسوساً. هذه تنصب مفعولاً به واحداً. وإذا جاء بعدها اسم منصوب مشتق، فإنه يُعرب "حالاً".
مثال: "رأيتُ الطائرَ محلقاً" (رأيتُ بعيني).
إعراب: الطائر (مفعول به)، محلقاً (حال منصوبة).
2. الفعل "علم"
- إذا كان بمعنى "اليقين"، نصب مفعولين. (علمتُ الصدقَ طريقَ النجاة).
- إذا كان بمعنى "المعرفة" (ضد الجهل)، نصب مفعولاً واحداً. (علمتُ الخبرَ = عرفته).
3. الفعل "وجد"
- إذا كان بمعنى "الإدراك القلبي"، نصب مفعولين. (وجدتُ الاجتهادَ سبيلَ التفوق).
- إذا كان بمعنى "العثور على الشيء المادي"، نصب مفعولاً واحداً. (وجد الطفلُ القلمَ).
رابعاً: تطبيقات ونماذج إعرابية معمقة
لضمان استيعاب القاعدة، نضع بين أيديكم نماذج إعرابية مفصلة لجمل وردت في سياق الأفعال المتعدية:
| الجملة | الكلمة | الإعراب التفصيلي |
|---|---|---|
| أعطى المؤمنُ المحتاجينَ صدقةً | أعطى | فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، وهو متعدٍ لمفعولين. |
| المحتاجين | مفعول به أول منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم. | |
| صدقةً | مفعول به ثانٍ منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره. | |
| يمنحُ اللهُ الصابرينَ أجراً | يمنحُ | فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة (متعدٍ لمفعولين). |
| الصابرين | مفعول به أول منصوب وعلامة نصبه الياء. | |
| أجراً | مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة. |
خاتمة
إن دراسة أنواع الفعل المتعدي تفتح أمامنا أبواباً واسعة لفهم دقة التعبير العربي. فالفعل المتعدي ليس مجرد أداة لنقل الحدث، بل هو وسيلة لتصوير المشاعر (الحب، الكره) والعمليات العقلية (الظن، اليقين) والتحولات المادية والمعنوية. من خلال التمييز بين المتعدي لمفعول واحد، والمتعدي لمفعولين (بشِقّيه: أصلهما المبتدأ والخبر، وليس أصلهما كذلك)، والمتعدي لثلاثة، نكون قد وضعنا أقدامنا على أرض صلبة في فهم النحو والإعراب. تذكر دائماً أن "المعنى" هو الحكم؛ فمعنى الفعل وسياقه هو الذي يحدد عدد المفاعيل التي يحتاجها، وهو الذي يفرق بين الرؤية البصرية واليقين القلبي، وبين العلم والمعرفة.
