مقدمة: علم البيان كبوابة لعظمة اللسان العربي
في رحاب اللغة العربية، لا تعد الكلمات مجرد أدوات لنقل الأخبار، بل هي كائنات حية تتشكل وتتلون لتعكس أدق تفاصيل الشعور الإنساني. علم البيان في البلاغة هو الفن الذي يعلمنا كيف نصيغ الفكرة الواحدة بأساليب تتفاوت في وضوحها وتأثيرها، بحيث ينتقل السامع من مجرد الفهم إلى مرحلة الانبهار والتصديق. إن الهدف الأسمى من هذا العلم هو الوصول بالمتكلم إلى مرتبة "البيان"، وهي القدرة على الكشف عن المعنى وتوضيحه بأبهى صورة ممكنة.
![]() |
| علم البيان في البلاغة | شرح شامل للأركان والصور الجمالية |
يعد علم البيان أحد الأعمدة الثلاثة الكبرى لعلوم البلاغة (المعاني، البيان، البديع). وإذا كان علم المعاني يهتم بمطابقة الكلام لمقتضى الحال، فإن علم البيان يختص بـ "الصورة" و"الخيال". هو العلم الذي يفرق بين قولنا "فلان كريم" كحقيقة جافة، وبين قولنا "فلان كالبحر في عطائه" كصورة بيانية نابضة بالحياة. في هذا الدليل الشامل، سنقوم بتفكيك أركان هذا العلم وتحليل آلياته العميقة التي جعلت من اللغة العربية لغة الإعجاز والبيان.
النشأة والتطور: كيف تحول البيان من سليقة إلى علم؟
لم يظهر علم البيان كقواعد مدونة في عصور الجاهلية، بل كان فطرة وسليقة تجري على ألسنة الشعراء والخطباء. كان العربي قديماً يستخدم التشبيه والاستعارة دون حاجة لمصطلحات فنية. ومع ذلك، بدأ التدوين الحقيقي مع ظهور الحاجة لفهم "إعجاز القرآن الكريم".
بدأت الرحلة مع أبي عبيدة في كتابه "مجاز القرآن"، ثم تطورت بشكل كبير على يد الجاحظ في كتابه الفذ "البيان والتبيين"، حيث ربط بين جمال اللفظ وعمق المعنى. لكن النقلة النوعية والحقيقية حدثت على يد الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابه "أسرار البلاغة"، حيث وضع القواعد المنهجية للتشبيه والاستعارة والمجاز، مبرهناً على أن البلاغة ليست في الكلمات المفردة، بل في كيفية "النظم" وصياغة الصورة. ثم جاء السكاكي والخطيب القزويني ليضعوا اللمسات النهائية والتقسيمات التي ندرسها اليوم.
الركن الأول: التشبيه (هندسة المماثلة البيانية)
التشبيه هو أصل الصور البيانية، وهو الربط بين شيئين يشتركان في صفة أو أكثر بواسطة أداة. التشبيه ليس مجرد مقارنة، بل هو وسيلة لنقل الخصائص من المشبه به (القوي والمعروف) إلى المشبه (المراد إيضاحه).
أركان التشبيه التفصيلية:
- المشبه: وهو الركن الأساسي الذي نريد وصفه (مثل: العلم).
- المشبه به: وهو الطرف الأقوى في الصفة الذي نستعير منه الجمال أو القوة (مثل: النور).
- أداة التشبيه: وقد تكون حرفاً (الكاف، كأن)، أو اسماً (مثل، شبه، نظير)، أو فعلاً (يحاكي، يشابه).
- وجه الشبه: هي الصفة المشتركة التي تجمع بين الطرفين (مثل: الهداية أو الجلاء).
أنواع التشبيه من حيث الصيغة والتركيب:
يتنوع التشبيه بناءً على ذكر أو حذف أركانه، وكل نوع له غرض بلاغي محدد:
- التشبيه المرسل المفصل: هو ما ذكرت فيه الأداة ووجه الشبه (العمر كضيف ليس له إقامة).
- التشبيه المجمل: هو ما حذف منه وجه الشبه (الرجل كالبحر).
- التشبيه المؤكد: هو ما حذفت منه الأداة (أنت نجم في الرفعة والضياء).
- التشبيه البليغ: هو أعلى درجات التشبيه، حيث تحذف الأداة ووجه الشبه معاً (الأم مدرسة). هنا ندعي أن المشبه والمشبه به شيء واحد.
التشبيه التمثيلي والضمني: روعة الخيال المركب
في التشبيه التمثيلي، لا نشبه مفرداً بمفرد، بل نشبه "صورة" بصورة، أو هيئة انتزعت من عدة أشياء. مثال ذلك قوله تعالى: "مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً". هنا الصورة هي (من يحمل العلم ولا ينفع به) وصورة المشبه به هي (الحمار الذي يحمل الكتب النافعة ولا يفهم ما فيها).
أما التشبيه الضمني، فهو الذي لا يصرح فيه بالأركان، بل يلمح إليه من سياق الكلام، وغالباً ما يكون الشطر الثاني حكمة تؤيد الشطر الأول، مثل قول الشاعر:
"من يهن يسهل الهوان عليه .. ما لجرح بميت إيلام".
الركن الثاني: الاستعارة (ذروة الإبداع اللغوي)
الاستعارة هي في حقيقتها تشبيه بليغ حذف أحد طرفيه. وهي من أقوى الفنون البيانية لأنها تقوم على "تناسي التشبيه" والادعاء بأن المشبه قد أصبح هو المشبه به تماماً. الاستعارة تمنح الكلام حيوية تجعل الجمادات تتحرك والمعاني تتجسد.
1. الاستعارة التصريحية:
هي التي نصرح فيها بلفظ "المشبه به" ونحذف "المشبه". نحن هنا نستعير اللفظ لنسقطه على واقع جديد.
مثال: عندما يقول القائد لجنوده "يا أسود المعركة". هو حذف (الجنود) وصرح بـ (الأسود). الهدف هنا هو نقل كل صفات القوة والرهبة من الأسد إلى الجندي بشكل مباشر.
2. الاستعارة المكنية:
هي التي نذكر فيها "المشبه" ونحذف "المشبه به"، ولكن نترك صفة من صفاته (لازمة من لوازمه) لتدل عليه.
مثال: "ضحكت الأرض بزينة الربيع". الأرض لا تضحك، ولكن الإنسان هو الذي يضحك. هنا حذفنا (الإنسان) وتركنا صفة (الضحك) لتدل عليه. السر البلاغي هنا هو "التشخيص"، أي جعل الأرض كائناً حياً يشعر ويفرح.
3. الاستعارة التمثيلية:
وهي استعارة تقع في التراكيب لا في المفردات، وتكثر في الأمثال السائرة. فعندما تقول لشخص يتردد في قرار ما: "أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى"، فأنت لا تتحدث عن حركة رجليه الحقيقية، بل استعرت هذه الهيئة لتعبر عن حالة التردد الذهني.
الركن الثالث: المجاز (الانتقال من الحقيقة إلى رحابة المعنى)
المجاز هو استخدام الكلمة في غير معناها الأصلي لعلاقة غير المشابهة (وإلا أصبح استعارة)، مع وجود قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي. المجاز هو دليل على سعة اللغة وذكاء المتحدث.
أولاً: المجاز المرسل وعلاقاته المتعددة:
سمي مرسلاً لأنه أُطلق عن التقييد بعلاقة واحدة. وأهم علاقاته:
- السببية: ذكر السبب وإرادة المسبب (رعت الماشية الغيث). الغيث (المطر) هو السبب في نمو العشب، فذكرنا المطر وأردنا العشب.
- المُسببية: ذكر النتيجة وإرادة السبب (ينزل لكم من السماء رزقاً). السماء ينزل منها مطر (سبب) وليس رزقاً مباشراً (مسبب)، فذكر النتيجة.
- الجزئية: ذكر الجزء وإرادة الكل (ألقى الخطيب كلمة). هو لم يقل كلمة واحدة بل خطبة كاملة، فذكر الجزء (الكلمة) وأراد الكل.
- الكلية: ذكر الكل وإرادة الجزء (يجعلون أصابعهم في آذانهم). الإنسان لا يضع إصبعه كاملاً في أذنه بل الأنملة فقط، فذكر الكل وأراد الجزء.
- المحلية: ذكر المكان وإرادة من بداخله (واسأل القرية). نحن نسأل أهل القرية لا الجدران، فذكر المحل وأراد الحال فيه.
- الحالية: ذكر من في المكان وإرادة المكان نفسه (إن الأبرار لفي نعيم). النعيم حالة وليس مكاناً، والمقصود الجنة.
- اعتبار ما كان: تسمية الشيء باسمه القديم (وآتوا اليتامى أموالهم). اليتيم بعد البلوغ لا يسمى يتيماً شرعاً، ولكن سمي بما كان عليه.
- اعتبار ما سيكون: تسمية الشيء بما سيؤول إليه (إني أراني أعصر خمراً). العنب هو الذي يُعصر ليصبح خمراً في المستقبل.
ثانياً: المجاز العقلي:
وهو إسناد الفعل إلى غير صاحبه الحقيقي، مثل قولنا: "هزم القائد الأعداء". الحقيقة أن الجيش هو من هزم، لكننا أسندنا الفعل للقائد لأنه الآمر والسبب. هذا النوع من المجاز يعمل على تكثيف المعنى وإبراز دور المؤثرين.
الركن الرابع: الكناية (فن التلميح والستر)
الكناية هي لفظ أُطلق وأريد به لازم معناه، مع جواز إرادة المعنى الأصلي. هي عكس الاستعارة؛ ففي الاستعارة يستحيل المعنى الحقيقي (الأسد لا يخطب)، أما في الكناية فالمعنى الحقيقي ممكن لكننا نريد ما وراءه.
أقسام الكناية وجمالياتها:
- كناية عن صفة: مثل قول الخنساء في أخيها صخر: "طويل النجاد، رفيع العماد". هي لا تقصد فقط طول غمد سيفه، بل تكنّي بذلك عن طول قامته وعظم مكانته وشجاعته.
- كناية عن موصوف: وهي التي نذكر فيها الصفات لنشير إلى ذات معينة. مثل قوله تعالى: "وحملناه على ذات ألواح ودُسر". هنا "ذات ألواح ودسر" كناية عن (السفينة).
- كناية عن نسبة: وهي أن ننسب الصفة إلى شيء يتعلق بالموصوف (ثيابه، ظله، بيته). مثل قولنا: "الجود في ركابه". نحن لم ننسب الجود له مباشرة بل لركابه، وهي قمة المبالغة في إثبات الصفة له.
القيمة الأدبية والجمالية لعلوم البيان
لماذا يجهد الببغاء والمبدعون أنفسهم في دراسة واستخدام علم البيان؟ السر يكمن في "الأثر النفسي" الذي تتركه هذه الفنون:
- التجسيد (Embodiment): علم البيان يحول الأفكار المجردة (الخوف، الحب، الأمل) إلى صور مرئية. فبدلاً من أن تقول "أنا خائف"، تقول الاستعارة "مخالب الخوف تنهش صدري"، هنا أصبح الخوف وحشاً ملموساً.
- التشخيص (Personification): يمنح البيان الحياة لما لا حياة له. عندما تستعير صفات البشر للجمادات، فإنك تخلق ألفة بين الإنسان والطبيعة.
- المبالغة المقبولة: البيان يسمح للمتكلم بالمبالغة في وصف المشاعر دون أن يبدو كاذباً، لأن الخيال هو لغة الشعور لا لغة الأرقام.
- الإيجاز والتركيز: الكناية أو الاستعارة الواحدة قد تغني عن فقرة كاملة من الشرح الممل.
التطبيقات العملية: كيف تكتشف البيان في النصوص؟
لتحليل أي نص من وجهة نظر علم البيان، يجب اتباع "خوارزمية" ذهنية بسيطة:
أولاً: اسأل نفسك، هل اللفظ مستخدم في معناه الحقيقي؟ إذا كان "نعم"، فابحث عن (كناية) محتملة وراء المعنى الظاهر. إذا كان "لا"، فأنت أمام (مجاز) أو (استعارة) أو (تشبيه).
ثانياً: إذا وجدنا خيالاً، ابحث عن "العلاقة". إذا كانت العلاقة هي "المشابهة" بين طرفين موجودين فهو (تشبيه). إذا كانت مشابهة مع حذف طرف فهو (استعارة). إذا كانت العلاقة غير المشابهة (سببية، مكانية...) فهو (مجاز مرسل).
ثالثاً: حدد "الأثر البلاغي". لا يكفي أن تقول هذه استعارة، بل يجب أن تقول: "استعارة مكنية شخصت المعنى وأبرزت قوة الألم".
إعجاز البيان في القرآن الكريم: دراسة تطبيقية
نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، وتحدى العرب في أعز ما يملكون وهو "البيان". نجد في القرآن استخدامات معجزة لم تكن تخطر على بال بشر:
- في التشبيه: "والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعُرجون القديم". تشبيه دقيق يصور مراحل القمر وتضاؤله بصورة غصن النخلة المائل العتيق، مما يجمع بين دقة الفلك وجمال الصورة.
- في الاستعارة: "والصبح إذا تنفس". هل الصبح يتنفس؟ هي استعارة مكنية جعلت من الصبح كائناً حياً يبدأ يومه بالزفير، مما يوحي بالراحة والأمل وانتشار الضوء.
- في المجاز: "واسأل القرية". إيجاز بالحذف (مجاز مرسل - المحلية) ليدل على أن الخبر شاع في كل ركن حتى صار الجماد نفسه مستعداً للإجابة.
- في الكناية: "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط". كناية عن البخل الشديد (غل اليد) وكناية عن التبذير (بسطها)، وهذا أبلغ من النهي المباشر.
البيان في الشعر العربي: ديوان العرب وصورهم
الشعر هو الميدان الأوسع لعلم البيان. نجد المتنبي يقول في الاستعارة التصريحية عندما زاره ممدوحه:
"أقبل يمشي في البساط فما درى .. إلى البحر يسعى أم إلى البدر يرتقي"
هنا استعارتان تصريحيتان؛ "البحر" للكرم، و"البدر" للعلو والجمال. لم يقل "أنت كالبحر"، بل جعل الممدوح هو البحر نفسه، وهذا هو قمة البيان.
ويقول امرؤ القيس في التشبيه:
"وَلَيلٍ كَمَوجِ البَحرِ أَرخى سُدولَهُ .. عَلَيَّ بِأَنواعِ الهُمومِ لِيَبتَلي"
صور الليل في ثقله وتتابع همومه بموج البحر المتلاحم، وهو تشبيه مرسل مجمل يجسد حالة الضيق النفسي.
خاتمة: لماذا يظل علم البيان حياً في عصرنا؟
قد يظن البعض أن علم البيان هو علم تراثي جاف، لكن الحقيقة أنه روح التواصل الحديث. الإعلانات التجارية الناجحة، الخطب السياسية المؤثرة، وحتى المحتوى الرقمي الجذاب، كلها تعتمد في جوهرها على "البيان". إن القدرة على تحويل الفكرة إلى "صورة" هي التي تجعل المحتوى ينتشر ويبقى.
إن دراسة علم البيان في البلاغة هي رحلة في عقل اللغة العربية، وهي تدريب للعين لترى ما وراء الكلمات، وللعقل ليربط بين المتناقضات. هو العلم الذي يثبت يوماً بعد يوم أن "البيان" هو السحر الحلال الذي يملك القلوب والعقول دون استئذان. فمن ملك البيان، ملك ناصية التأثير، ومن تذوق صوره، انفتحت له أبواب الجمال في كل نص يقرأه.
انتهى المقال بحمد الله، شاملاً وجامعاً لأصول وفروع علم البيان.
