هل تساءلت يومًا كيف يتميز الكلام الصادق عن غيره في ميزان اللغة؟ أو كيف يستطيع المتحدث البارع أن يمرر مشاعر الحزن، أو الفخر، أو الاستعطاف، من خلال جملة تبدو في ظاهرها مجرد "معلومة" عادية؟ السر يكمن في العمود الفقري للبلاغة العربية: الأسلوب الخبري. في عالم يعج بالمعلومات، يُعد فهم هذا الأسلوب هو الفارق الجوهري بين المتحدث العادي والخطيب المفوه.
![]() |
| الأسلوب الخبري | دليلك الشامل لإتقان البلاغة العربية |
هذا الدليل ليس مجرد سرد أكاديمي، بل هو رحلة عميقة لتفكيك شيفرة "الخبر" في لغة الضاد، وكيفية استخدامه للتأثير في المتلقي، سواء كنت طالبًا، كاتبًا، أو عاشقًا للجمال اللغوي.
ما هو الأسلوب الخبري؟ تشريح المفهوم
في علم المعاني، وهو درة تاج البلاغة العربية، ينقسم الكلام البشري إلى قسمين رئيسيين لا ثالث لهما: الخبر والإنشاء. لكي نتقن الأسلوب الخبري، يجب أن نفهم تعريفه الدقيق الذي وضعه جهابذة اللغة.
الأسلوب الخبري هو كل قول يحتمل الصدق أو الكذب لذاته، بغض النظر عن قائله. بعبارة أبسط، هو الجملة التي تخبرنا عن واقع معين، فإذا طابق هذا الكلام الواقع كان "صادقًا"، وإذا خالفه كان "كاذبًا".
تخيل أن شخصًا قال لك: "السماء تمطر الآن". هذه جملة خبرية بامتياز. لماذا؟ لأنك تستطيع النظر من النافذة والتحقق. إذا وجدت المطر، فالخبر صادق. وإذا كانت الشمس ساطعة، فالخبر كاذب. هذا الاحتمال (الصدق/الكذب) هو العلامة المميزة للخبر، والتي تفصله تمامًا عن الأسلوب الإنشائي (كالأمر والنهي والاستفهام) الذي لا يمكن تكذيبه أو تصديقه (فلا يصح أن تقول لمن قال لك "اجلس" أنت كاذب!).
حقيقة "الصدق والكذب" في البلاغة
نقطة جوهرية يغفل عنها الكثيرون: عندما نقول "يحتمل الصدق والكذب"، فنحن نتحدث عن الحكم المنطقي اللغوي، لا الحكم الشرعي أو الأخلاقي. فكلام الله تعالى (القرآن الكريم) وكلام النبي صلى الله عليه وسلم، والحقائق العلمية الثابتة (مثل: الكل أكبر من الجزء)، كلها "أخبار" من الناحية اللغوية، لكنها صادقة قطعًا ولا تحتمل الكذب في الواقع لثبوتها بالأدلة القاطعة، ومع ذلك تظل تندرج تحت مسمى "الأسلوب الخبري" لأن طبيعة الجملة تقريرية.
الغرض الأساسي من الخبر: لماذا نخبر الناس؟
قبل أن نغوص في الأغراض البلاغية العميقة والمشاعر، يجب أن نؤسس للقاعدة. الأصل في إلقاء الخبر للمخاطب هو تحقيق أحد هدفين رئيسيين:
- فائدة الخبر: وهي إفادة المخاطب بالحكم الذي تضمنته الجملة، حيث يكون المخاطب جاهلًا بمضمون الكلام.
مثال: "وُلد النبي صلى الله عليه وسلم في عام الفيل". (هنا أنت تخبر السامع بمعلومة جديدة عليه). - لازم الفائدة: وهنا تكمن الدقة؛ فالمتكلم يلقي الخبر ليس ليعلم المخاطب بمضمونه (لأنه يعرفه مسبقًا)، بل ليعلمه أن المتكلم "يعرف" أيضًا.
مثال: تقول لصديقك الذي سهر طوال الليل للدراسة: "لقد سهرتَ البارحة تجتهد في دروسك". هو يعلم أنه سهر، لكنك تقول ذلك لتقول له: "أنا أعلم بحالك واجتهادك".
أضرب الخبر الثلاثة: هندسة الكلام حسب حال المتلقي
البلاغة هي "مطابقة الكلام لمقتضى الحال". وحال المستمع يختلف؛ فقد يكون صافي الذهن، أو مترددًا، أو منكرًا تمامًا. وبناءً على هذه الحالة النفسية للمتلقي، قسم البلاغيون الأسلوب الخبري إلى ثلاثة أضرب (أنواع) رئيسية. فهم هذه الأنواع هو مفتاح التواصل الفعال:
1. الخبر الابتدائي (لخالي الذهن)
يُلقى هذا النوع للمخاطب الخالي الذهن من الحكم، الذي لا يشك ولا يتردد في قبول المعلومة. في هذه الحالة، لا نحتاج لاستخدام أي أدوات توكيد. الكلام يكون مباشرًا ومرسلاً.
- السمة: خلو الجملة من المؤكدات تمامًا.
- المثال: "أخوك قادمٌ من السفر". أو قوله تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).
2. الخبر الطلبي (للمتردد الشاك)
يُلقى للمخاطب الذي تساوره الشكوك، أو الذي يطلب التأكد من صحة الخبر. هنا، تقتضي البلاغة أن ندعم الكلام بأداة توكيد واحدة لإزالة هذا الشك.
- السمة: احتواء الجملة على مؤكد واحد.
- المثال: "إنَّ أخاك قادمٌ". (استخدمنا "إنّ" فقط). أو قوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ).
3. الخبر الإنكاري (للمنكر الجاحد)
هذا أقوى الأنواع، ويُلقى للمخاطب الذي ينكر الحكم تمامًا ويعارضه. هنا يجب وجوبًا بلاغيًا استخدام أكثر من مؤكد (مؤكدين أو أكثر) لكسر حاجز الإنكار لديه.
- السمة: احتواء الجملة على مؤكدين فأكثر.
- المثال: "واللهِ إنَّ أخاك لقادمٌ". (استخدمنا القسم، وإنّ، واللام المزحلقة).
- شاهد قرآني بليغ: في قصة أصحاب القرية، قال المرسلون في المرة الأولى (خبر طلبي): (إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ)، فلما كذبهم القوم وزاد إنكارهم، قالوا في المرة الثانية (خبر إنكاري): (رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ)، فزادوا القسم واللام.
ترسانة التوكيد: أدوات القوة في الأسلوب الخبري
لتحويل الخبر من ابتدائي إلى طلبي أو إنكاري، نستخدم "المؤكدات". هذه الأدوات ليست مجرد حشو، بل هي مفاتيح نفسية. إليك قائمة بأهم أدوات التوكيد في اللغة العربية:
- إنَّ وأنَّ: وهما حرفا توكيد ونصب (مثل: إنَّ الله مع الصابرين).
- القسم: (والله، تالله، بالله، ولعمرك).
- لام الابتداء (اللام المزحلقة): التي تدخل على خبر "إن" (مثل: إنك لعلى خلق عظيم).
- نونا التوكيد: (الثقيلة والخفيفة) التي تتصل بالفعل (مثل: ليسجننَّ وليكونًا من الصاغرين).
- قد: ولكن بشرط دخولها على الفعل الماضي (مثل: قد أفلح المؤمنون)، حيث تفيد التحقيق. أما مع المضارع فتفيد الشك أو التقليل غالبًا.
- الحروف الزائدة: مثل الباء في خبر ليس (أليس اللهُ بكافٍ عبدَه).
- أما الشرطية: (أما اليتيم فلا تقهر).
- القصر والحصر: باستخدام (إنما) أو (النفي والاستثناء). (مثل: وما محمد إلا رسول).
الأغراض البلاغية للخبر: ما وراء المعنى الحرفي
هنا نصل إلى قمة الجمال في الأسلوب الخبري. قد يخرج الخبر عن هدفيه الأصليين (فائدة الخبر ولازم الفائدة) ليؤدي أغراضًا عاطفية ونفسية تُفهم من سياق الكلام، وليس من ألفاظه المباشرة. هذه الأغراض هي التي تمنح الأدب روحه، ومن أهمها:
1. الاستعطاف والخضوع
عندما يخبر المتحدث عن حاله المتردي لا ليعلمك به، بل ليستدر عطفك ورحمتك.
مثال: قول الشاعر:
إلهي عبدُك العاصي أتاكا ... مقرًا بالذنوب وقد دعاكا
هو يخبر الله بأنه عاصٍ (والله يعلم)، لكن الغرض هو طلب الرحمة والمغفرة.
2. إظهار الضعف والعجز
يُستخدم عندما يريد المتحدث بيان قلة حيلته.
مثال: قول زكريا عليه السلام في القرآن: (رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا).
سيدنا زكريا لا يخبر الله بمعلومة طبية عن عظامه، بل يظهر ضعفه البشري بين يدي خالقه تمهيدًا لدعائه.
3. الفخر والاعتزاز
عندما يسرد المتحدث حقائق عن نفسه أو قومه بقصد التعالي وإثبات الأفضلية.
مثال: قول المتنبي الشهير:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صممُ
هذه جملة خبرية، لكنها تصرخ بالأنا والفخر.
4. التحسر والأسى
يخرج الخبر لإظهار الألم على شيء مفقود أو أمر لا يمكن تداركه.
مثال: قول امرأة عمران حين ولدت مريم: (رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىٰ).
هي تعلم والله يعلم، لكنها قالتها تحسرًا لأنها كانت ترجو ذكرًا لخدمة المعبد.
5. المدح والثناء
الإخبار بصفات حسنة في شخص ما بقصد تكريمه.
مثال: قول النابعة الذبياني للملك النعمان:
فإنكَ شمسٌ والملوكُ كواكبٌ ... إذا طلعت لم يبدُ منهنَّ كوكبُ
6. الحث على السعي والجد
ذكر حقائق تدفع المتلقي للعمل.
مثال: "النجاح لا يأتي إلا بالعمل الشاق". الغرض هنا ليس مجرد المعلومة، بل دفعك للعمل.
خروج الخبر عن مقتضى الظاهر: التلاعب الذكي
من أسرار عبقرية الأسلوب الخبري أن البليغ قد يخالف القواعد السابقة (أضرب الخبر) لغرض دقيق جدًا:
أولاً: تنزيل خالي الذهن منزلة المنكر:
قد يكون المخاطب لا ينكر الخبر بلسانه، لكن سلوكه يوحي بالإنكار. هنا نؤكد له الكلام وكأنه منكر.
مثال: تقول لتارك الصلاة (وهو يعلم فرضيتها لكنه يتكاسل): "إنَّ الصلاةَ لواجبةٌ". تؤكد له الكلام لأن فعله يشبه فعل المنكر.
ثانياً: تنزيل المنكر منزلة خالي الذهن:
قد يكون المخاطب منكرًا، لكن معه أدلة واضحة لو تأملها لزال إنكاره، فنعامله معاملة غير المنكر توبيخًا له على عدم إعمال عقله، أو استخفافًا بإنكاره.
مثال: تقول لمنكر وجود الله (والأدلة الكونية تحاصره): "اللهُ موجودٌ". بدون توكيد، وكأن إنكاره لا قيمة له أمام وضوح الحقيقة.
تطبيقات عملية وتحليل بلاغي
لترسيخ مفهوم الأسلوب الخبري، دعونا نحلل بعض النصوص بعمق:
النص: قال تعالى: (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ).
التحليل: هذه جمل خبرية. "لا ريب فيه" خبر يفيد نفي الشك. الغرض البلاغي هنا هو "المدح" وتعظيم شأن القرآن، وأيضًا "التيئيس" للكفار من أن يجدوا فيه أي خلل.
النص: قول جرير يرثي زوجته:
لولا الحياءُ لهاجني استعبارُ ... ولزرتُ قبركِ والحبيبُ يُزارُ
التحليل: الأسلوب خبري. الغرض: إظهار الحزن واللوعة (التحسر) وتبرير عدم زيارة القبر (خوف العار أو كلام الناس - الحياء)، مع تقرير حقيقة إنسانية أن الحبيب يُزار.
أخطاء شائعة في فهم الأسلوب الخبري
يقع الكثير من الدارسين في فخاخ بسيطة عند التعامل مع هذا الأسلوب، إليك أبرزها لتتجنبها:
- الخلط بين الخبر والإنشاء في الجمل الدعائية: جملة مثل "رحمه الله" أو "جزاك الله خيرًا". شكلها خبري (فعل وفاعل ومفعول)، لكن معناها إنشائي (دعاء: يا رب ارحمه). تسمى هذه الحالة "خبري لفظًا إنشائي معنى".
- الاعتقاد بأن "قد" دائمًا للتوكيد: تذكر القاعدة الذهبية: "قد" مع الماضي تفيد التحقيق (التوكيد)، ومع المضارع تفيد التقليل أو الشك (قد ينجح الكسول - احتمال ضعيف).
- حصر الأغراض البلاغية: الأغراض البلاغية ليست محصورة في قائمة مغلقة. أي معنى يستفاد من السياق غير المعنى الحرفي يمكن اعتباره غرضًا بلاغيًا (كالتهكم، الوعيد، الشماتة...).
الأسئلة الأكثر بحثاً حول الأسلوب الخبري
ما الفرق بين الجملة الاسمية والفعلية في الأسلوب الخبري؟
الجملة الاسمية تفيد "الثبوت والدوام" (محمدٌ كريمٌ - صفة ثابتة). أما الجملة الفعلية فتفيد "التجدد والحدوث" (يكرمُ محمدٌ ضيفه - فعل يتجدد ويحدث شيئًا فشيئًا). اختيار إحداهما بلاغة في حد ذاته.
هل الاستفهام يعتبر أسلوباً خبرياً؟
لا، الاستفهام أسلوب إنشائي طلبي. ولكن قد يخرج الاستفهام لغرض "التقرير" (ألم أشرح لك الدرس؟) وهنا يتقاطع مع المعنى الخبري في إثبات المعلومة، لكنه يظل إنشائيًا في تصنيفه.
كيف أميز بين المؤكدات الوجوبية والجوازية؟
في البلاغة، ننظر لحال المخاطب. إذا كان منكرًا، فالتوكيد واجب بلاغيًا لكي يقتنع. إذا كان خالي الذهن، فالتوكيد قبيح لأنه زوائد لا داعي لها. البلاغة هي "وضع الشيء في موضعه".
في الختام، إن الأسلوب الخبري هو الأداة الأكثر استخدامًا في تواصلنا اليومي، من نشرات الأخبار إلى محادثات وسائل التواصل، وصولاً إلى أروع القصائد. إتقانك لهذا الأسلوب، ومعرفتك متى تؤكد الكلام ومتى ترسله، ومتى تخبر لتشكو لا لتعلم، يمنحك سلطة لغوية وقدرة على التأثير في القلوب والعقول. اللغة ليست مجرد قواعد جافة، بل هي كائن حي يتنفس من خلال مقاصدنا وأغراضنا.
