الأسلوب الإنشائي والخبري
تعتبر اللغة العربية بحراً شاسعاً من المعاني والأساليب، ومن أبرز ما يميزها هو قدرة المتحدث على تطويع الألفاظ لتخدم مقاصد تتجاوز مجرد نقل المعلومات. في علم البلاغة، وتحديداً في علم المعاني، ينقسم الكلام إلى قسمين أساسيين لا غنى لأي كاتب أو خطيب أو متذوق للأدب عنهما: الأسلوب الإنشائي والأسلوب الخبري. هذا التقسيم ليس مجرد تصنيف نحوي، بل هو فلسفة لغوية تفرق بين الكلام الذي ينقل واقعاً وبين الكلام الذي ينشئ واقعاً جديداً أو يعبر عن انفعال باطني.
![]() |
| شرح الأسلوب الإنشائي والخبري | الفرق والأنواع والأغراض |
في هذا الدليل الاستقصائي الشامل، سنقوم بتفكيك هذين الأسلوبين، مع تحليل معمق للأغراض البلاغية، والفرق الدقيق بينهما، وكيفية توظيفهما في النصوص الأدبية والقرآنية للوصول إلى قمة التأثير الإقناعي والوجداني، مع الالتزام التام بمعايير الجودة اللغوية والدقة العلمية.
أولاً: الأسلوب الخبري
الأسلوب الخبري هو الأصل في التخاطب البشري، حيث يهدف المتكلم من خلاله إلى إفادة السامع خبراً أو حكماً لم يكن يعلمه. ويُعرفه البلاغيون بأنه: ما يحتمل الصدق أو الكذب لذاته.
فلسفة الصدق والكذب في الخبر
عندما نقول إن الخبر يحتمل الصدق أو الكذب، فنحن ننظر إلى "ذات الكلام" بغض النظر عن قائله. فإذا طابق الكلام الواقع الخارجي فهو صادق، وإذا خالفه فهو كاذب. مثال: "السماء تمطر الآن". إذا نظرت من النافذة ووجدت المطر، فالخبر صادق، وإن لم تجده فالخبر كاذب. ولكن، يستثني العلماء من احتمالية الكذب الحقائق المطلقة مثل القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة والحقائق العلمية الثابتة، فهذه أخبار صادقة قطعاً.
أضرب الخبر (حالات إلقاء الخبر حسب حال المخاطب)
من عبقرية البلاغة العربية أنها لم تجعل الخبر وتيرة واحدة، بل قسمته إلى ثلاثة أضرب بناءً على الحالة الذهنية للمتلقي، وهو ما يسمى في البلاغة بـ "مراعاة مقتضى الحال":
1. الخبر الابتدائي
يُلقى هذا الخبر للمخاطب الذي يكون "خالي الذهن" تماماً من المعلومة. في هذه الحالة، لا يحتاج المتكلم إلى أدوات توكيد، بل يلقي الخبر مجرداً. مثال: "الامتحان سهلٌ". هنا المتكلم يفترض أن السامع لا يملك فكرة مسبقة وليس لديه شك.
2. الخبر الطلبي
يُلقى للمخاطب "المتردد" أو "الشاك" الذي يطلب الوصول إلى اليقين. هنا يستحسن أن يستخدم المتكلم "أداة توكيد واحدة" لتقوية الحكم في نفس السامع. مثال: "إنَّ الامتحان سهلٌ". استخدام "إنَّ" هنا جاء ليزيل تردد السامع.
3. الخبر الإنكاري
يُلقى للمخاطب "المنكر" الذي يرفض تصديق المعلومة. في هذه الحالة، يجب على المتكلم استخدام "أكثر من أداة توكيد" (مؤكدين فأكثر) بحسب قوة الإنكار. مثال: "واللهِ إنَّ الامتحان لسهلٌ". استخدمنا هنا ثلاثة مؤكدات: القسم، "إنَّ"، ولام التوكيد.
الأغراض البلاغية للأسلوب الخبري (خروج الخبر عن معناه الأصلي)
الأصل في الخبر هو "فائدة الخبر" (إعلام السامع) أو "لازم الفائدة" (إعلام السامع أن المتكلم يعلم الخبر). ولكن قد يخرج الخبر إلى معانٍ إنسانية وعاطفية بليغة، منها:
- إظهار الضعف والخشوع: كما في قول النبي زكريا عليه السلام: "رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي". الغرض ليس إخبار الله بحاله، بل التذلل والاستعطاف.
- الاسترحام: كأن يقول السجين للقاضي: "إنني مظلوم"، فهو هنا لا يخبره بالحقيقة فحسب، بل يطلب رحمته وعدله.
- إظهار التحسر والحزن: مثل قول الشاعر في رثاء ابنه: "ذهبَ الذين أحبهم"، فهو يعبر عن ألم الفقد.
- الفخر: كقول المتنبي: "أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي"، هنا يهدف إلى تعظيم شأنه ونفسه.
- التوبيخ: عندما تقول لشخص أساء التصرف: "أنت تعرف ما فعلت"، فالهدف ليس الإخبار بل التقريع.
- التحذير: كقولك لشخص متهور: "إنَّ عاقبة الظلم وخيمة".
ثانياً: الأسلوب الإنشائي
الإنشاء في اللغة هو الإيجاد. وفي البلاغة، الأسلوب الإنشائي هو: ما لا يحتمل الصدق أو الكذب لذاته. والسبب بسيط، وهو أن مضمون الجملة لا يتحقق إلا في اللحظة التي ينطق بها المتكلم. إذا قلت لشخص "اكتب"، ففعل الكتابة لم يكن موجوداً قبل الأمر لكي نحكم عليه بالصدق أو الكذب؛ الفعل سينشأ بناءً على قولك.
ينقسم الأسلوب الإنشائي إلى نوعين رئيسيين: الإنشاء الطلبي والإنشاء غير الطلبي.
الإنشاء الطلبي: أنواعه وأسراره
هو ما يستدعي مطلوباً غير حاصل وقت الطلب، وله خمسة أنواع أساسية تعد أعمدة البلاغة:
1. الأمر
طلب الفعل على وجه الاستعلاء والإلزام. وله أربع صيغ: فعل الأمر (اكتب)، المضارع المقرون بلام الأمر (لتكتب)، اسم فعل الأمر (حيَّ على الصلاة)، والمصدر النائب عن فعله (صموداً في وجه العدو).
أغراضه البلاغية:- الدعاء: إذا كان من العبد إلى الرب (ربِّ اغفر لي).
- النصح والإرشاد: (شاور سواك إذا نابتك نائبة).
- التمني: إذا كان موجهاً لما لا يعقل (يا ليلُ انجَلِ).
- التعجيز: (فأتوا بسورة من مثله).
2. النهي
طلب الكف عن الفعل على وجه الاستعلاء، وله صيغة واحدة: "لا الناهية + الفعل المضارع".
أغراضه البلاغية:- الدعاء: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا).
- التيئيس: (لا تعتذروا اليوم).
- التوبيخ: (لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله).
3. الاستفهام
طلب العلم بشيء لم يكن معلوماً. أدواته: (الهمزة، هل، ما، من، متى، أيان، أين، كيف، كم، أي).
أغراضه البلاغية:- التقرير: (ألم نشرح لك صدرك؟) - الجواب المقصود هو "بلى".
- النفي: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟) - أي: ليس جزاء الإحسان إلا الإحسان.
- التعجب: (ما لهذا الرسول يأكل الطعام؟).
- التشويق: (هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم؟).
4. التمني
طلب أمر محبوب لا يُرجى حصوله، إما لكونه مستحيلاً أو بعيد المنال. أداته الأصلية هي "ليت".
أغراضه البلاغية: قد تستخدم أدوات أخرى للتمني لأغراض بلاغية مثل "هل" و"لو" و"لعل".- مثال: "فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا؟" (استخدام "هل" هنا لإظهار التمني في صورة الممكن تشويقاً).
5. النداء
طلب إقبال المخاطب باستخدام حرف نائباً عن الفعل "أدعو". أدواته: (يا، أيا، هيا، أي، الهمزة).
أغراضه البلاغية:- التعظيم: (يا قدس يا منارة الشرائع).
- الاستغاثة: (يا لله للمؤمنين).
- التحسر: (يا حسرة على العباد).
الإنشاء غير الطلبي
هو الأسلوب الذي لا يستدعي مطلوباً، بل يعبر عن انفعالات المتكلم تجاه أمر ما. وأهم أنواعه:
- التعجب: (ما أروعَ اللغة العربية! / أكرمْ بالعرب!).
- المدح والذم: باستخدام (نعم، بئس، حبذا، لا حبذا).
- القسم: (واللهِ، تاللهِ، لعمرُك).
- الرجاء: باستخدام (عسى، حرى، اخلولق). والفرق بينه وبين التمني أن الرجاء يكون في الأمور الممكنة القريبة.
ثالثاً: الأسلوب الخبري لفظاً والإنشائي معنى
هذا النوع يمثل قمة الذوق في اللغة العربية، حيث تظهر الجملة في شكل خبر (فعل ماضٍ أو جملة اسمية) لكن المقصود منها هو الإنشاء (الدعاء غالباً). يهدف هذا الأسلوب إلى إظهار التفاؤل بأن الدعاء قد استُجيب حتى صار خبراً واقعاً.
أمثلة شهيرة:
- "رحمه الله": هي جملة خبرية (فعل ماضٍ)، لكن معناها "اللهم ارحمه" (إنشاء/دعاء).
- "جزاك الله خيراً": هي خبرية لفظاً لتقرير الجزاء، ولكنها إنشائية طلباً للخير من الله.
- "رضي الله عنه": تستخدم للصحابة الكرام لتقرير الرضا في قلوبنا والدعاء لهم به.
التحليل المقارن: متى يفضل الكاتب الأسلوب الخبري ومتى يميل للإنشائي؟
في عالم الكتابة الإبداعية والتحليل الصحفي الرصين، يختار الكاتب أسلوبه بناءً على "الأثر النفسي" الذي يريد تركه:
لماذا نستخدم الأسلوب الخبري؟
يميل الكتاب إلى الأسلوب الخبري في المقالات العلمية، التقارير الإخبارية، والكتب التاريخية. الغرض هو "التقرير" و"التثبيت". فالخبر يوحي بالثقة، الاستقرار، والواقعية. عندما تقرأ "حققت الشركة أرباحاً طائلة"، فأنت تشعر أنك أمام حقيقة صلبة لا تقبل الجدل.
لماذا نستخدم الأسلوب الإنشائي؟
يميل الشعراء والخطباء وكتاب الرأي إلى الأسلوب الإنشائي لإثارة العاطفة، التشويق، وإشراك القارئ. الاستفهام يجعل القارئ يبحث عن إجابة، والأمر يجعله يشعر بالمسؤولية، والنداء يحرك كوامن نفسه. إنه أسلوب "تفاعلي" بامتياز.
سر البلاغة: التنويع بين الأسلوبين
الكاتب الفذ هو من يمزج بينهما بحرفية. يبدأ بالخبر ليرسي قاعدة من الحقائق، ثم ينتقل للإنشاء ليطرح تساؤلات أو يوجه نداءات. هذا التنويع يطرد الملل عن القارئ ويجدد نشاطه الذهني. قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم؟". بدأ بالنداء (إنشاء) لجذب الانتباه، ثم الاستفهام (إنشاء) للتشويق، ثم جاء الجواب بالخبر "تؤمنون بالله ورسوله" لتقرير الحقيقة المنجية.
الفروق الدقيقة والالتباسات الشائعة
كثيراً ما يقع الدارسون في حيرة عند التمييز بين الأسلوبين في حالات خاصة. إليك توضيحاً لأهم هذه الالتباسات:
1. "لا" النافية مقابل "لا" الناهية
الجملة التي تحتوي على "لا النافية" (مثل: محمد لا يكذب) هي أسلوب خبري، لأنها تنفي صفة وتخبرنا بحقيقة. أما الجملة التي تحتوي على "لا الناهية" (مثل: يا محمد لا تكذب) فهي أسلوب إنشائي طلبي، لأنها تطلب الكف عن الفعل.
2. الجمل الاسمية التي تفيد الثبوت
الجملة الاسمية (مثل: الحقُ منتصرٌ) هي خبر ابتدائي، لكن قوتها البلاغية تكمن في "الديمومة والاستمرار". بينما الجملة الفعلية (مثل: ينتصر الحق) تفيد "التجدد والحدوث". كلاهما خبري، لكن الدلالة الزمنية تختلف.
3. الاستفهام الإنكاري
قد يبدو الاستفهام إنشائياً فقط، لكنه في باطنه يحمل خبراً. عندما تقول: "أأنت فعلت هذا؟" وأنت تعلم أنه فعل، فأنت لا تطلب علماً بل تقرر خبراً في صورة إنشاء لتوبيخه.
تطبيقات عملية من عيون الأدب العربي
دعونا نحلل الأساليب في مقطوعة أدبية لنفهم كيف يعمل علم المعاني:
يقول الشاعر:
"ألا ليتَ الشبابَ يعودُ يوماً .. فأخبرُهُ بما فعلَ المشيبُ"
- "ألا ليت الشباب يعود يوماً": أسلوب إنشائي طلبي نوعه "تمني"، غرضه البلاغي إظهار التحسر على ضياع العمر.
- "فأخبره بما فعل المشيب": هذا الجزء هو نتيجة مترتبة على التمني، ويحمل في طياته أسلوباً خبرياً يقرر حقيقة معاناة الشيخوخة.
وفي النثر، يقول أحد الخطباء:
"أيها الناس، اسمعوا وعوا، إنَّ من عاش مات، ومن مات فات."
- "أيها الناس": إنشاء (نداء) للفت الانتباه.
- "اسمعوا وعوا": إنشاء (أمر) للنصح والإرشاد.
- "إن من عاش مات": خبر (إنكاري مؤكد بإنَّ) لتقرير حقيقة الموت الحتمية.
الخلاصة: خارطة طريق للتمييز بين الأساليب
لإتقان هذا الفن، اتبع القواعد الذهبية التالية:
- اسأل نفسك: هل يمكنني أن أقول لصاحب هذا الكلام "أنت صادق" أو "أنت كاذب"؟ إذا كانت الإجابة نعم، فالأسلوب خبري.
- إذا وجدت في الكلام (أمراً، نهياً، استفهاماً، نداءً، أو تمنياً)، فأنت أمام أسلوب إنشائي طلبي.
- إذا وجدت (تعجباً، قسماً، مدحاً، أو ذماً)، فأنت أمام أسلوب إنشائي غير طلبي.
- تأمل الغرض من الكلام؛ فإذا كان الكلام لغير معناه الأصلي، فابحث عن العاطفة الكامنة (حزن، فخر، تعجب، تهديد) لتصل إلى الغرض البلاغي.
بهذا التحليل الشامل، نكون قد استوفينا جوانب الأسلوب الإنشائي والخبري، مؤكدين أن البلاغة ليست مجرد قواعد جافة، بل هي روح الكلام وقدرته على العبور من لسان المتكلم إلى قلب وعقل السامع.
