هل وقفت يوماً أمام نص أدبي أو آية قرانية وشعرت بقوة الكلمة وتأثيرها في نفسك دون أن تدرك السر البلاغي وراء ذلك؟ هل تساءلت لماذا نستخدم الأمر، أو النهي، أو الاستفهام في مواقف لا تتطلب إجابة أو تنفيذاً حرفياً؟ السر يكمن في هندسة الكلام التي تسمى الأسلوب الإنشائي. هذا ليس مجرد درس في قواعد اللغة، بل هو المفتاح الذهبي لفهم النفس البشرية وكيفية التأثير فيها.
![]() |
| الأسلوب الإنشائي | دليلك الشامل لإتقان بلاغة الكلام |
في هذا الدليل المرجعي الشامل، سنغوص في أعماق البلاغة العربية لنكشف الستار عن هذا الأسلوب الذي يعتبر عموداً فقرياً في لغة الضاد، ونقدم لك شرحاً لا تجده في الكتب المدرسية التقليدية، مصحوباً بأمثلة تطبيقية وتحليلات دقيقة تضعك على طريق الاحتراف اللغوي.
ما هو الأسلوب الإنشائي؟ المفهوم والجوهر
لفهم الأسلوب الإنشائي، يجب أولاً أن نميزه عن نقيضه "الأسلوب الخبري". في علم المعاني (أحد علوم البلاغة الثلاثة)، ينقسم الكلام إلى قسمين رئيسيين لا ثالث لهما. المعيار الفاصل بينهما هو "الصدق والكذب".
الأسلوب الخبري هو ما يحتمل الصدق أو الكذب لذاته. فإذا قلت "السماء تمطر"، يمكن للسامع أن ينظر من النافذة ويقول "صدقت" أو "كذبت". أما الأسلوب الإنشائي، فهو الكلام الذي لا يحتمل الصدق أو الكذب، لأنه "يُنشئ" شيباً جديداً ولا يخبر عن واقع موجود مسبقاً.
عندما تقول لشخص: "اجتهدْ في دروسك"، هل يمكنه أن يقول لك "أنت كاذب"؟ بالطبع لا. لأنك تطلب حصول شيء لم يحصل بعد. وهنا تكمن عبقرية هذا الأسلوب؛ فهو أداة التعبير عن المشاعر، والرغبات، والأوامر، والنواحي الانفعالية للنفس البشرية. إنه لغة "الإرادة" و"العاطفة" في المقام الأول.
الخريطة الشاملة: أقسام الأسلوب الإنشائي
ينقسم الإنشاء إلى نوعين رئيسيين يختلفان في الغرض والوظيفة، وفهم هذا التقسيم هو الخطوة الأولى لإتقان التحليل البلاغي:
- الإنشاء الطلبي: وهو ما يستدعي مطلوباً غير حاصل وقت الطلب. وله خمسة أنواع (الأمر، النهي، الاستفهام، التمني، النداء).
- الإنشاء غير الطلبي: وهو ما لا يستدعي مطلوباً، بل يُستخدم لإنشاء معاني نفسية كالمدح أو الذم أو التعجب. وله صيغ محددة (التعجب، المدح والذم، القسم، الرجاء، العقود).
القسم الأول: الأسلوب الإنشائي الطلبي (التفصيل العميق)
هذا القسم هو الأكثر استخداماً في اللغة، والأكثر ثراءً بالأغراض البلاغية. دعونا نفكك كل نوع على حدة:
1. أسلوب الأمر
هو طلب فعل الشيء على وجه الاستعلاء والإلزام (في معناه الحقيقي). لكن الأمر لا يأتي دائماً بصيغة "افعل". للأمر أربع صيغ قياسية:
- فعل الأمر المباشر: مثل قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ).
- الفعل المضارع المقترن بلام الأمر: مثل: (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ).
- اسم فعل الأمر: مثل: "صهٍ" (بمعنى اسكت)، أو "حيَّ" (بمعنى أقبل).
- المصدر النائب عن فعل الأمر: مثل: "وبالوالدين إحساناً" (أي أحسنوا إحساناً).
الأغراض البلاغية للأمر: هنا يخرج الأمر عن معناه الحقيقي (الإلزام) إلى معاني مجازية حسب السياق:
- الدعاء: إذا كان من الأدنى إلى الأعلى (من العبد لربه). مثال: (رَبِّ اغْفِرْ لِي).
- الرجاء: إذا كان بين متساويين في الرتبة. مثال: قولك لصديقك "أعطني القلم".
- النصح والإرشاد: إذا كان فيه فائدة للمخاطب دون إلزام. مثال: "دعِ التكاسل".
- التعجيز: لإظهار عدم قدرة المخاطب. مثال: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ).
- التهديد: مثال: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ).
2. أسلوب النهي
النهي هو طلب الكف عن الفعل على وجه الاستعلاء. وله صيغة واحدة فقط في اللغة العربية، وهي: الفعل المضارع المسبوق بلا الناهية. مثال: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ).
وكما في الأمر، يخرج النهي لأغراض بلاغية متعددة:
- الدعاء: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا).
- التيئيس: (لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ).
- التوبيخ: "لا تنهَ عن خُلقٍ وتأتيَ مثله".
- التحقير: "لا تطلبِ المجدَ إن المجدَ سُلَّمُه صعبٌ".
3. أسلوب الاستفهام
هو طلب العلم بشيء لم يكن معلوماً من قبل. وله أدوات تنقسم إلى حروف (الهمزة، هل) وأسماء (من، ما، متى، أيان، كيف، أين، أنى، كم، أي).
التميز في الأسلوب الإنشائي يظهر جلياً في الاستفهام، حيث نادراً ما يستخدم الأدباء الاستفهام لطلب الجواب الحقيقي، بل لأغراض بلاغية عميقة:
- التقرير والتوكيد: حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه. مثال: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ).
- النفي: إذا صح وضع أداة النفي مكان أداة الاستفهام. مثال: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) أي: ما جزاء الإحسان.
- التعجب: مثال: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكنتم أمواتاً).
- التشويق: مثال: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم).
4. أسلوب النداء
هو طلب إقبال المخاطب بحرف من حروف النداء. أدواته: (يا) للبعيد والقريب، (الهمزة، أي) للقريب، (أيا، هيا) للبعيد.
أغراضه البلاغية تشمل: الزجر (يا قلبُ ويحك)، التحسر (يا ليتني كنت تراباً)، الإغراء (يا مظلوم تكلم)، والتعظيم.
5. أسلوب التمني
هو طلب أمر محبوب لا يُرجى حصوله (إما لاستحالته أو لصعوبته الشديدة). أداته الأصلية هي "ليت".
مثال للاستحالة: "ألا ليت الشبابَ يعود يوماً".
قد يُستخدم للتمني أدوات أخرى لغرض بلاغي، مثل "هل" (لإبراز المتمنى في صورة الممكن)، أو "لو" (للإشعار بعزة المتمنى وندرته)، أو "لعل".
القسم الثاني: الأسلوب الإنشائي غير الطلبي
وهو ما ينشئ معنى ولكنه لا يطلب من المخاطب شيئاً. ورغم قلة التفرعات فيه مقارنة بالطلبي، إلا أنه يحمل شحنات عاطفية هائلة.
1. أسلوب المدح والذم
يستخدم للتعبير عن الإعجاب أو الاستهجان. أفعال المدح: (نِعمَ، حبذا)، وأفعال الذم: (بئسَ، لا حبذا).
مثال: "نِعمَ الخلقُ الصدقُ"، "بئسَ المصيرُ".
2. أسلوب التعجب
للتعبير عن الدهشة والاستعظام. وله صيغتان قياسيتان:
ما أفعله: "ما أجملَ السماءَ!".
أفعِل به: "أكرِم بقومٍ رسولُ الله قائدهم".
3. أسلوب القسم
لتأكيد الكلام باستخدام (الواو، الباء، التاء). مثال: "واللهِ إن الحق لمنتصر".
4. أسلوب الرجاء
وهو طلب الأمر المحبوب الممكن الحصول (عكس التمني). أدواته: (لعل، عسى). مثال: "لعل اللهَ يحدث بعد ذلك أمراً".
لماذا يستخدم الأدباء الأسلوب الإنشائي؟ (أسرار الجمال)
إذا كنت كاتباً أو محللاً، فإن معرفة "السبب" أهم من معرفة "النوع". يلجأ البليغ إلى الأسلوب الإنشائي لتحقيق أهداف نفسية وتأثيرية لا يحققها الأسلوب الخبري الجاف:
- إثارة الانتباه والذهن: الإنشاء، خاصة الطلبي، يستفز عقل السامع لأنه يطلب منه استجابة (جواباً، أو فعلاً، أو انتباهاً). الخبري يُلقي معلومة وقد ينام السامع، أما الإنشائي فيوقظه.
- التنفيس عن المشاعر: لا شيء يعبر عن الألم مثل "النداء" (يا ويلاه)، ولا شيء يعبر عن الحسرة مثل "التمني" (ليتني). إنه وعاء العواطف المتدفق.
- المشاركة الوجدانية: عندما يستخدم الكاتب الاستفهام (ألا ترون ما أرى؟)، فهو يشركك في قضيته ويجعل القارئ جزءاً من النص وليس مجرد متلقٍ سلبي.
- التنويع ودفع الملل: النص الذي يسير على وتيرة واحدة (كله أخبار) يسبب السأم. الانتقال من الخبر إلى الإنشاء يجدد نشاط القارئ ويعطي للنص إيقاعاً حيوياً.
كيف تحلل النص البلاغي باحترافية؟
عندما تواجه نصاً ويُطلب منك استخراج الأساليب الإنشائية وبيان أغراضها، اتبع هذه الخوارزمية الذهنية:
- حدد نوع الجملة: هل تحتمل الصدق والكذب؟ إذا (لا)، فهي إنشائية.
- حدد النوع الدقيق: هل يطلب شيئاً؟ (طلبي). إذا كان نعم، هل هو أمر، نهي، استفهام...؟
- انظر للسياق (المقام): هذه أهم خطوة. من المتحدث؟ ومن المخاطب؟
- من الأدنى للأعلى = دعاء / رجاء.
- من الأعلى للأدنى = نصح / إلزام / تهديد.
- من المساوي للمساوي = التماس.
- في سياق الحزن = تحسر / تمني.
- في سياق الغضب = ذم / زجر.
تطبيقات عملية من القرآن والشعر
لنُثبّت المعلومة، دعونا نحلل هذه الشواهد الخالدة:
الشاهد الأول: قول الخنساء في رثاء أخيها صخر:
"أعينيَّ جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى؟"
التحليل:
- "أعيني": نداء. الغرض: التوجع والتحسر ومناجاة النفس.
- "جودا": أمر. الغرض: التمني (لأن العين لا تعقل الأمر)، والحث على البكاء.
- "لا تجمدا": نهي. الغرض: التمني والدعوة لاستمرار البكاء.
- "ألا تبكيان": استفهام (أداته الهمزة). الغرض: الحث والتحضيض واللوم على عدم البكاء.
الشاهد الثاني: قوله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ).
التحليل:
- "قل": أمر (حقيقي).
- "هل يستوي...": استفهام. الغرض: النفي (أي لا يستوون). لا يوجد أحد عاقل يجيب بـ "نعم"، فالغرض هو نفي المساواة تماماً.
الأسئلة الشائعة حول الأسلوب الإنشائي
س: ما الفرق بين التمني والرجاء في الأسلوب الإنشائي؟
ج: الفرق جوهري؛ التمني يكون للشيء المستحيل أو بعيد المنال (ليت الشباب يعود)، وعادة يستخدم "ليت". أما الرجاء فيكون للأمر الممكن والمتوقع حدوثه (لعل الاختبار سهل)، ويستخدم "لعل" أو "عسى".
س: هل يمكن أن يجتمع الأسلوب الخبري والإنشائي في جملة واحدة؟
ج: نعم، وهذا يسمى "الأسلوب الخبري لفظاً الإنشائي معنى". كقولنا "جزاك الله خيراً". في الظاهر هي جملة فعلية خبرية تخبر أن الله جزاك، لكن المعنى المقصود هو الدعاء (يا رب اجزه خيراً)، فهي إنشاء في المعنى.
س: لماذا يعتبر الاستفهام من أقوى الأساليب الإنشائية؟
ج: لأن الاستفهام يمتلك مرونة هائلة. يمكنه أن يحمل معنى النفي، والتقرير، والتعجب، والتهكم، والوعيد في آن واحد. إنه الأداة التي تجبر عقل المتلقي على العمل والبحث عن إجابة، مما يرسخ المعنى في الذهن.
س: ما هي العقود في الإنشاء غير الطلبي؟
ج: هي صيغ البيع والشراء والزواج وغيرها، مثل قولك "بعتُ" أو "قبلتُ". هي بصيغة الماضي (خبرية شكلاً) لكنها تنشئ عقداً جديداً في الواقع لحظة النطق بها، لذا صنفها البلاغيون ضمن الإنشاء غير الطلبي.
في الختام، إن الأسلوب الإنشائي هو روح اللغة العربية ونبضها الحي. إنه الأداة التي تحول الكلمات الجامدة إلى مشاعر، والحروف إلى مواقف. إتقانك لهذا الفن لا يجعلك فقط متذوقاً رفيعاً للأدب والقرآن، بل يمنحك قوة في التواصل والتأثير لا يملكها غيرك. ابدأ اليوم في تأمل كلامك وكلام من حولك، وستكتشف عالماً جديداً من المعاني كان خفياً عنك.
